من عجائب الطبع البشري وأسرار النفس الإنسانية، أنها مجبولة على الزهد فيما دانت قطوفه، والتَّلهف لما نأت دروبه، وفي الحكمة: «كلُّ مبذولٍ مملولٌ، وكلُّ ممنوعٍ مرغوبٌ».
وقد ألمحَ القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾، فهي ميَّالةٌ إلى الشهوات الممنوعة، زاهدةٌ في المباحات المستقرة بين يديها.
فالمسافة تصنع القيمة في عين الإنسان، والمنع يؤجج الرغبة.
قال عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود:
وزادك إغراءً بها طول بخلها … عليك وأعرى لحم أعظُمك الهمُّ
وقال الأحوص بن محمد الأنصاري:
وزادني كًلَفاً بالحب أن مَنَعت، … أحبُّ شيء إلى الإنسان ما مُنعا
وتمتد آفة هذا الطبع لتصيب منازل العلماء والفضلاء، حتى سار بها المثل: «أزهدُ الناسِ في العالمِ أهلُه».
فالعين متى ألفت النور المتاح استهانت به، واعتادت حضوره.
فما أحوجنا إلى بصيرة تدرك قيمة ما نملك، وتحفظ قدر الفضلاء بيننا، قبل أنْ يحولَ بيننا وبينهم الفقد. والله الهادي
د. سيف بن علي العصري