فهذه خاطرة أبثها تذكرة لنفسي ولعموم المسلمين؛ عملاً بقوله جل ثناؤه: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، واستمساكاً بقول سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا». وشواهد الوحيين الشريفين في الحث على الأخلاق أكثر من أن تُحَاط بحصر.
ونحن اليوم في هذا الفضاء الافتراضي أشد ما نكون فاقة إلى تفعيل هذه القيم وحراستها؛ فهو عالم مفتوح يملك فيه الكل حرية الكلمة، فيختلط من عُرفَ اسمه وبان رسمه، بمن تَسَتَّرَ بألقاب مستعارة، مما يفتحُ المجالَ أمامَ من لا سيطرةَ له على لسانه ويده، ولا يردعُهُ خلقٌ ولا ورع.
ولست أسوق هذا انتصاراً لنفسي من كلمة جارحة نالتني هنا أو هناك؛ مع أنيِّ لا أدعي لنفسي عدمَ التأثرِ بالمدح والذم، فلستُ ولياً تطهرت نفسه من الالتفات لذلك فاستوى عنده المدح والقدح، ولا أنا حجر منزوع المشاعر، بل أنا عبد من جملة عباد الله، أجاهد نفسي على التغافل والتجاوز، حتى اكتسبتُ مع الأيام دُرْبَة على التغافل، وقدرة لا بأس بها على كظم الغيظ.
ولكنَّ الأمر يعنينا جميعا -اتفقنا أم اختلفنا- فَقَلَّ أنْ أشاهد نقاشاً يكسوه الأدب، وينتقي فيه الأطرافُ الكلمات الطيبة، بل ما يلبث أنْ يتحوَّلَ النقاشُ إلى ترامي بالشنائع والفضائع، ويتطاول فيها من قل حظه من العلم والمعرفة على من يكبره سناً وقدراً، دون مراعاة لحق المشيب، ولا لأدب الإسلام.
ولأجل ذلك؛ صار من دَأْبِي اجتناب التعليق في صفحات الغير، فما بَدَا لي من فكرة أعتقد صوابها قيدتها في صفحتي، فإن دعت الحاجةُ دخلتُ إلى صفحته ضيفاً، أراعي حق صاحب الدار.
ولا يَذهبنَّ ظنك أخي الكريم أنني أتكلمُ عن السجال بين السلفي والأشعري؛ فالواقع يشهد بتجاوزات مؤسفة مؤلمة تقع بين المنتسبين للمدرسة الواحدة، فتجدها بين السلفي والسلفي كما تجدها بين الأشعري والأشعري.
فالآفة مُسْتَشْرِيَة لا تختص بفريق، وعلاجها لا يكون إلا بإحياء علم التزكية الذي اصطلح علماء الأمة على تسميته بالتصوف.
ولست أعني بالتصوف الرسومَ التي يَجْهَدُ بعضُ الناس في الاستمساكِ بها، وقد يختلف الناس عليها، بل أعني لُبَّهُ المصفى وحقيقته الكبرى، فما التصوف إلا قيماً شريفةً، وخوفاً من الله، وإقبالاً عليه، ومراقبة له في السر والعلن، وزجراً للنفس عن الأقوال والأفعال المُستقبحةِ، فذلك هو الميزان، وبه يعتدل معوج الأخلاق.
د. سيف بن علي العصري
24 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 6 سبتمبر 2026 م