رأس مال المرء مروءتُه وأدبُه، ولما كانت سبل الخير متنوعة، ومسالك البر متسعة؛ وجب على العاقل أن يدرك أن مدار الأخلاق مبنيٌّ على أصلين:
«التحلية والتخلية»؛ فيستعيض عن قبائح الشيم بمحاسنها، ويستبدل رذائل الطباع بفضائلها.
فيمحو ظُلمة الطمع بسناء الجود، ومذلة الخوف بعزة الشجاعة، وغرور الكِبر بوقار التواضع.
ويستبدل بفَظَاظَة الطبع سماحةً، وبالغلظة ليناً، وبالغدر وفاءً، وبالجزع صبراً، وبالغفلة ذكراً.
ويقمع العُجب بإنكار الذات، والتسرع بالأناة، والخفة بالرزانة، والطيش برجاحة العقل. ويرفع غاشية الجهل بنور العلم، وخسة الكذب بشرف الصدق، ودناءة الهمة برفعة النفس، وركود الكسل بنشاط العمل.
ولا ريب أن المرء قادر على ترويض نفسه واكتساب حميد الخصال؛ فالعلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن تجرع مرارة الصبر آل به إلى الظفر. ومن كابد في تهذيب نفسه دانت له؛ مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾.
وأولو الألباب لا يبرحون ينقبون في خفايا ذواتهم، ويفتشون عن آفات نفوسهم، قد شغلتهم عيوبهم عن عيوب الناس.
فهم في معراجٍ دائمٍ نحو الكمال، فعبادتهم حياء وانكسار للمولى سبحانه، وعلمهم خشية وسكينة، ما طلبوا العلم ليماروا به السفهاء، ولا ليجادلوا به العلماء، أو ليتطاولوا به على رقاب الناس.
ما أحوجنا أن نتعهد أقوالنا وأفعالنا بالتهذيب، لنرتقي في مدارج الأخلاق، ونسمو في معارج الأدب، فما أفلح من أفلح إلا بالأدب.
د. سيف بن علي العصري