ترشيد النقاشات الفيسبوكية
فإن من أعظم ما ابتليت به الساحات الفكرية اليوم، ولا سيما في هذه المنصات الرقمية، انفلات زمام الخصومات، والانتقال من مناقشة «الأقوال» إلى محاكمة «النيات».
وإنَّ الأساسَ الذي يترشَّدُ به النقاشُ أن نحسن الظن بالخلق، وأن نناقش العلم بالعلم.
فلا يسوغ للأخ السلفي أن يتوهم في مخالفه الأشعري -حين لا يرتضي بعض أقوال الشيخ ابن تيمية رحمه الله- أنَّ دافعَهُ في ذلك هو الحقد أو البغض للشيخ. ولا يجوز أيضاً للصوفي أو الأشعري أن يظن بأخيه السلفي أو الوهابي -حين يخالف بعض علماء الأشاعرة أو بعض فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن مخالفته إنما صدرت عن باعث الحقد والكراهية!
إن ترتيب هذه الظنون الفاسدة ظلم للنفس قبل الغير، واعتداء سافر على القلوب والسرائر التي لا يعلمها إلا علام الغيوب.
وإني -والله- لا أظنُّ بمن خالفني إلا أحسن الظن؛ فأعتقد أنه ما أراد إلا الحق، وأن ذلك مبلغ علمه، وأنَّ قصدَهُ البحث عن الحقيقة ما استطاع.
وليس صنيعي هذا تَفَضُّلاً مني عليه، بل هو فرض ديني محتوم، وواجب أخلاقي لازم؛ إذ لا سبيل لي إلى شق صدره والاطلاع على خبايا قلبه.
وما الذي يُسوِّغُ لي أنْ أفترض في أخي المخالف من السلفية أو الوهابية أنه إنما يخالفني حقداً وحسداً، وأنا لم أسلب له مالاً، ولم أسفك له دماً، ولم أعتد له على عرض؟! فمن أين يتسلل الحقد إلى النقاش العلمي المجرد؟! فمثل هذا الاتهام لا يجوز لي أصلاً أن أظنه به، كما لا يجوز له في المقابل أن يظنه بي.
فإذا ارتقينا بأنفسنا إلى هذا المقام من السلامة، هدأت النفوس، وبردت الصدور، وتمحض النقاش للعلم ومن أجل العلم، صادراً عن رغبة صادقة في الوصول إلى الحقِّ، وشفقةٍ على الخلقِ. أما إن ولجت النفوس معترك النقاش وهي مشحونة بالأهواء، مستبطنة لهذه الظنون الفاسدة تجاه الآخرين، فإن ذلك النقاش يولد مُجْهَضًا، ويخرج إلى الناس مَيِّتًا، لا يثمر علماً، ولا يورث فهماً.
بصرنا الله وإياكم بمآخذ العلم، وطهر قلوبنا من غوائل الظنون.
د. سيف بن علي العصري
21 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 3 سبتمبر 2026 م