الإعلام بِمَنْ لبسَ الخرقةَ من الأعلام
فهذه خلاصةٌ محرَّرةٌ، للمجلسِ الذي عقدناهُ في مسجدِ قلبِ الشيشان، قبلَ ثمانِ سنواتٍ، وتحديداً يوم الأربعاء بتاريخ 21 محرم 1439هـ، 11 أكتوبر 2017م، بعنوان «الإعلام بِمَنْ لبسَ الخرقةَ من الأعلام»، وهو لقاءٌ طويلٌ، مَنْ أرادَهُ وجَدَهُ على قناتي في اليوتيوب .
حقيقةُ الخرقةِ ومقاصدُها:
اعلمْ -أرشدَكَ اللهُ- أنَّ التصوفَ الإسلاميَّ مقامٌ عظيمٌ منْ مقاماتِ الدينِ، ومدارُهُ على الإحسانِ والتزكيةِ والصلةِ باللهِ جلَّ وعلا.
وقدْ طرأتْ عليهِ إشكالاتٌ منشأُها سوءُ الفهمِ، أوْ انحرافُ التصورِ. ومنْ ذلكَ مسألةُ لبسِ الخرقةِ، وهي في حقيقتِها: لباسٌ كعمامةٍ أوْ بردٍ ونحوِهِما يلبِسُهُ الشيخُ للمريدِ إشعارًا بالتزكيةِ والملازمةِ.
والخرقةُ وإنْ لمْ تكنْ من الأمورِ المنصوصةِ، إلا أنَّ الطعنَ فيها والإنكارَ على فاعلِها تجرؤٌ ممقوتٌ؛ لما فيهِ منْ تجهيلٍ وطعنٍ في سوادٍ عظيمٍ منْ جهابذةِ علماءِ الأمةِ.
وقدْ نصَّ الحافظُ جمالُ الدينِ بنُ عبدِ الهادي الحنبليُّ في رسالتِهِ «بدءِ العُلقةِ بلبسِ الخرقةِ» على أنَّ لها مقاصدَ حسنةً وغاياتٍ شريفةً، تجملُ في ستةِ أمورٍ:
الأولُ: المتابُ عنِ المعاصي، ففي لبسِها إيذانٌ ببدءِ عهدٍ جديدٍ وانسلاخٍ منَ المخالفاتِ.
الثاني: التداوي وعلاجِ القلوبِ بآثارِ الصالحينِ.
الثالثُ: الاتِّباعُ وسلوكُ طريقِ أهلِ الوقارِ.
الرابعُ: التشرفُ بلباسِ الأكابرِ كخلعِ الملوكِ.
الخامسُ: التبركُ بأيدي الصالحينَ.
السادسُ: الاتصالُ بالأكابرِ عبرَ السندِ الشريفِ.
وقد تواردَ على لبسِ هذه الخرقةِ، والتبركِ بها، فحولُ الأمةِ وأساطينُ العلمِ، فكيفَ يُرمى فاعلُها بالضلالِ؟! وممنْ ثبتَ لبسُهُ لها:
شيخُ الإسلامِ الإمامُ الفقيه ابنُ قدامةَ المقدسيُّ: أخذَها منْ إمامِ الأولياءِ عبدِ القادرِ الجيلانيِّ، وسمعَ منهُ وتفقَّهَ عليهِ.
الشيخُ العلامة ابنُ تيميةَ: اتصلَ سندُهُ في الخرقةِ إلى الشيخِ عبدِ القادرِ الجيلانيِّ منْ طريقِ بني قدامةَ المقدسةِ.
سلطانُ العلماءِ العزُّ بنُ عبدِ السلامِ: لبسَها منَ الشهابِ السهرورديِّ، وكانَ يحضرُ مجالسَ أبي الحسنِ الشاذليِّ.
إمامُ الجرحِ والتعديلِ الذهبيُّ: لبسَها منَ المحدِّثِ ضياءِ الدينِ الأنصاريِّ، ومنَ الشيخِ شهابِ الدينِ السهرورديِّ.
عمدةُ القراءِ الحافظُ ابنُ الجزريِّ: نصَّ في مناقبِ أميرِ المؤمنينَ أنَّهُ لبسَها منْ جماعةٍ بضعةِ أسانيدَ؛ لتتصلَ يدُهُ بيدِ الإمامِ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، رجاءَ الحشرِ في زمرتِهِ.
أئمةُ الشافعيةِ وحفاظُهم: كالحافظِ ابنِ الصلاحِ، وسراجِ الدينِ ابنِ الملقنِ، وجلالِ الدينِ السيوطيِّ، وشيخِ الإسلامِ زكريا الأنصاريِّ، وتلميذِهِ الفقيهِ الحافظِ ابنِ حجرٍ الهيتميِّ.
وقدْ ذكرَ السخاويُّ في «المقاصدِ الحسنةِ» شطرًا صالحًا منَ الحفَّاظِ الذينَ لبسوها وألبسوها؛ كالدمياطيِّ، والعراقيِّ، ومغلطايَ، والعلائيِّ، والبرهانِ الحلبيِّ، وغيرِهِمْ، اقتفاءً وتبركًا.
ومنْ أعظمِ ما طُعنَ بهِ في أسانيدِ القومِ لخرقةِ التصوفِ: ادعاءُ انقطاعِ السندِ بينَ الحسنِ البصريِّ والإمامِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ.
وقدْ تصدى الحافظُ ابنُ حجرٍ الهيتميُّ في «ثبتِهِ» وفي «فتاواهُ الحديثيةِ» لردِّ هذه الدعوى، وبيَّنَ أنْ أئمةَ الحديثِ مختلفونَ في ثبوتِ السماعِ، وأنَّ المثبتَ مقدمٌ على النافي. وقدْ رجَّحَ ثبوتَ السماعِ الحافظُ ضياءُ الدينِ المقدسيُّ، وأوردَ أبو يعلى في مسندِهِ تصريحَ الحسنِ بالسماعِ منْ عليٍّ.
وتشهدُ لهذا الإثباتِ قرائنُ قاطعةٌ تكادُ تبلغُ اليقينِ:
منها: أنَّ الحسنَ نشأَ في بيتِ أمِّ المؤمنينَ أمِّ سلمةَ رضيَ اللهُ عنْها، وكانَ عليٌّ يزورُها، وكانتْ تُخرجُ الحسنَ للصحابةِ ليبرِّكوا عليهِ.
ومنها أنَّ الحسنَ كانَ مميِّزًا في المدينةِ يصلي خلفَ عثمانَ وعليٌّ حاضرٌ فيها، فكيفَ يُستبعدُ اجتماعُهُ بهِ وسماعُهُ منهُ في تلكَ الحقبةِ المتطاولةِ؟! وأجلُّ منْ ذلكَ تصريحُ الحسنِ نفسِهِ (كما رواهُ أبو نعيمٍ) حينَ سُئلَ: لِمَ ترفعُ الحديثَ للنبيِّ ﷺ ولمْ تدركْهُ؟ فقالَ معتذرًا بخوفِهِ منْ بطشِ الحجاجِ: «كلُّ شيءٍ سمعتُني أقولُ فيهِ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ؛ فهو عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، غيرَ أني في زمانٍ لا أستطيعُ أنْ أذكرَ عليًّا».
فهذه نصوصٌ صحيحةٌ صريحةٌ تقطعُ دابرَ الشكِ في اتصالِ هذا السندِ الشريفِ.
إنَّ هذا الحرصَ البالغَ منْ أئمةِ الدينِ على تتبعِ الأسانيدِ، حتى في لبسِ عمامةٍ أوْ طاقيةٍ، ليُجلي مزيةً عظمى اختصَّ اللهُ بها أهلَ السنةِ والجماعةِ منَ الأشاعرةِ والماتريديةِ والصوفيةِ الصادقينَ، ألا وهي: اتصالُ الأسانيدِ؛ ففِقْهُهمُ متصلٌ بالأئمةِ الأربعةِ، وعقيدتُهمْ وأحاديثُهمْ موصولةٌ بأصحابِ الدواوينِ، وتزكيتُهمْ متصلةٌ بأكابرِ الأولياءِ والصحابةِ، والجميعُ متصلٌ بسيدِ الخلقِ صلى الله وسلمَ وباركَ عليه وعلى آله وأصحابه. بينما حُرِمَ ذوو البدعِ والضلالاتِ منْ شرفِ هذا الاتصالِ، فآلَ أمرُهُمْ إلى انقطاعٍ، ثُمَّ إنكارٍ لما لمْ تبلغهُ عقولهم، وصدقَ اللهُ القائل: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11]، {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39].
د. سيف بن علي العصري
الإعلام بِمَنْ لبسَ الخرقةَ من الأعلام