يَطْرُقُ مسامعَنا كثيراً مقالةٌ يردِّدُها البعض، مفادها: «لم يُشرعْ لنا في الإسلام إلا عيدان فقط!»، ويجعلون ذلك حجةً للإنكار على من يحتفي بالمناسبات الإسلامية الكبرى.
وهذا زللٌ مركَّبٌ، ينشأ عن قصورٍ في استقراء النصوص، وغفلةٍ عن قواعد الأصول، وخلطٍ بيِّنٍ بين العيد بمعناه الشرعي، والعيد بمعناه اللغوي.
ولكشف لثامِ هذه القضية، نحررها في مسألتين:
المسألةُ الأولى: حصر الأعياد الشرعية وهمٌ ينقضه الاستقراء، فإن مَنْ قرأ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أبا بكر، إن لكلِّ قومٍ عيداً وهذا عيدنا»، فظَنَّ أن منطوقَ هذا الحديث ينفي ما سواه؛ فقد أبعدَ النجعة. فإن الأصوليين يقررون أن إثبات الحكم لشيء لا يقتضي نفيه عما عداه، سيما وقد جاءت النصوص بإثبات وصف «العيد» لأيامٍ أُخَر، حتى بلغت الأعياد الدينية الشرعية سبعةَ أعيادٍ منصوصةٍ، وهي:
عيد الفطر، ويوم عرفة، وعيد الأضحى، وأيامُ التشريقِ الثلاثةِ، وقد نصَّ عليها صلى الله عليه وآله وسلم في حديث واحدٍ، فقال: «يوم عرفة، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، عيد أهل الإسلام، هُنَّ أيامُ أكلٍ وشربٍ». رواه النسائي في سننه الكبرى.
يوم الجمعة: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيام، إلا أن تصوموا قبله أو بعده». مسند أحمد.
فحصرُ الأعياد في عيدينِ غفلةٌ عما وردَ في الأحاديث الثابتة.
المسألةُ الثانية: التفريق بين العيد الشرعي والعيد اللغوي، يُزيلُ كثيراً من الوهم:
فالعيد بالمعنى الشرعي: هو اليوم الذي أناطَ الشارع الحكيم به أحكاماً شرعية مخصوصة لم تُشرع في غيره. فعيد الفطر مثلاً: حَرُمَ فيه الصيام، وشُرِعَتْ فيه زكاة الفطر، واستُحِبَّتْ فيه صلاة العيد، والفطر قبل الخروج للمصلى. وعيد الأضحى: حَرُمَ فيه الصيام، وشُرِعَتْ فيه الأضحية والأكل منها. ويوم الجمعة: شُرِعَ فيه الاغتسال، ونداء الجمعة، والخطبة. وأيام التشريق: حَرُمَ فيها الصيام، وشُرِعَ فيها رمي الجمار، وهكذا.
والعيد بالمعنى اللغوي: من «العَوْد»، فكل يومٍ يعود ويتكرر يحمل ذكرى مجيدة يُسَمَّى لغةً «عيداً». ومن هذا الباب: الاحتفاء بذكرى الهجرة النبوية، أو الإسراء والمعراج، أو المولد النبوي الشريف.
فهذه المناسبات هي من «أيام الله» التي أمرنا القرآن بالتذكير بها في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5].
وإطلاق لفظ «العيد» على ذكرى المولد النبوي الشريف على ألسنةِ بعضِ الناسِ إنما هو من باب التسامح اللفظي والمعنى اللغوي، وليس إثباتاً لعيدٍ شرعي.
فليس ثَمَّةَ مَنْ يدعي أن يوم المولد تُنَاط به أحكام شرعية مخصوصة «كحرمة الصيام أو صلاة مخصوصة» كما هو الحال في الأعياد الشرعية.
وعليه؛ فإن إنكار الاحتفاء بالمولد النبوي بحجة: «أنتم تزيدون عيداً ثالثاً، والإسلام لم يشرع إلا عيدين»، هو محضُ مصادرةٍ على المطلوب؛ إذ أدخلوا المعنى اللغوي في المعنى الشرعي، وضَيَّقُوا ما وَسَّعَهُ الشرع. فلتتسع المدارك لتحرير المصطلحات، ولنحذر من إطلاق الأحكام قبل تحرير مناطها.
نُشِرَ قديماً في:
30 ذو الحجة 1434 هـ ، 4 نوفمبر 2013 م