كُشوفات غيبية لو رُوِيَتْ عن غير ابن تيمية لقامت القيامة!
تأمل معي هذه الوقائع العجيبة، والمكاشفات الغيبية التي سطرها العلامة ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله.
والمفارقة هنا؛ أن هذه القضايا لو نقلت عن أي عالم آخر من علماء المسلمين، أو نُسِبَت لإمام من أئمة التصوف السني، لرماه المتهورون بالتصوف الخرافي والدجل وادعاء علم الغيب، ولأقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوها! لكنها حين جاءت في حق الشيخ ابن تيمية سَاغَتْ وعُدَّت كرامة وفراسة محمودة.. مما يكشف عن خلل عجيب في موازين التقييم.
إليك ما نقله العلامة ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» (2/ 458 ط الكتاب العربي)، حيث يقول:
«ولقد شاهدت من فِرَاسَةِ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أموراً عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائع فراسته تستدعي سِفْراً ضخماً..
(1) أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوشَ المسلمين تُكْسَرُ، وأنَّ دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام، وأن كَسْرَ الجيش وحدته في الأموال. وهذا قبل أن يهمَّ التتار بالحركة.
(2) ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام: أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يَمِيناً.
فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تَحْقِيقاً لا تَعْلِيقاً.
وسمعته يقول ذلك. قال: فلما أكثروا عليّ، قلت: لا تكثروا، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ: أنهم مهزومون في هذه الكُرَةِ، وأن النصر لجيوش الإسلام.
قال: وأطمعتُ بعضَ الأمراءِ والعسكرِ حلاوةَ النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو. وكانت فراسته الجُزْئِيَّة في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر.
(3) ولما طُلِبَ إلى الديار المصرية، وأُرِيدَ قتله -بعدما أُنْضِجَتْ له القدور، وقُلِبَتْ له الأمور- اجتمع أصحابه لوداعه. وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبداً. قالوا: أفتُحبسُ؟ قال: نعم، ويطول حبسي. ثم أَخْرُجُ وأتكلمُ بالسنة على رُءُوسِ الناس. سمعته يقول ذلك.
(4) ولما تولى عدوه الملقب بالجَاشَنْكِير الملك، أخبروه بذلك. وقالوا: الآن بلغ مراده منك. فسجد لله شكراً وأطال. فقيل له: ما سبب هذه السجدة؟ فقال: هذا بدايةُ ذُلِّهِ ومفارقةُ عزِّهِ من الآن، وقرب زوال أمره. فقيل: متى هذا؟ فقال: لا تُرْبَط خيول الجند على القُرْط حتى تغلب دولته. فوقع الأمر مثل ما أخبر به. سمعت ذلك منه.
(5) وقال مرة: يدخل عليّ أصحابي وغيرهم. فأرى في وجوههم وأعينهم أموراً لا أذكرها لهم. فقلت له -أو غيري-: لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون مُعَرِّفاً كمعرف الولاة؟ وقلت له يوماً: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح. فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة، أو قال: شهراً.
(6) وأخبرني غير مرة بأمور بَاطِنَةٍ تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني.
(7) وأخبرني ببعض حوادث كِبَارٍ تجري في المستقبل. ولم يعين أوقاتها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها.
وما شاهده كبارُ أصحابِهِ من ذلك أَضْعَافُ أضعافِ ما شاهدته. والله أعلم».
فتأمل أيها المنصف ما حواه هذا النقل من تقرير للإخبار بما تُكنُّهُ النفوس، واليَمِينِ على ما هو مستورٌ بحجابِ المستقبل، والإخبار بالمَغِيبَات قبل أوانها.
ونحن -والحمدُ لله بميزان العلم وبرهان الحجة- لا نرى فيما سطره ابن القيم ونقله عن شيخه شيئاً يصطدم بصريح الشرع أو يضاد محكماته، بل هو من باب الكرامة الثابتة للصالحين.
ولكن الشأن في أولئك الذين ينصبون أنفسهم لتضليل عباد الله وتبديعهم، فإذا نُقِل مثل هذا عن غير ابن تيمية أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، ورَمَوْهُ بالعظائم! فكيف سيكون حالهم أمام هذا النقل؟
وليعلموا أن في بطون الأسفار نقولات أخرى عن الشيخ ابن تيمية وغيره، هي أشد عجباً مما أوردناه هنا، وللحديث بقية.
د. سيف بن علي العصري
21 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 3 سبتمبر 2026 م