خواطرُ حَولَ العلامةِ الشَّوكانيِّ والمَذَاهِبِ الفِقْهِيَّة
طالعتُ مقالاً لأحد الزملاء، امْتَعَضَّ فيه من التَّهَجُّمِ على مقام الإمام الشوكاني رحمه الله، واتهامه بأنه «السبب فيما آل إليه الفقه من حال».
وقد دافع الزميل في مقاله عن الإمام الشوكاني مبيناً فضله وسعة علمه وزهده، ثم عَرَّجَ على المذاهب الأربعة فقرر أنها مجرد «وسيلة لتصور المسائل بشكل أسرع»، مستدلاً بأن القرنين الأولين من تاريخ الإسلام لم تكن فيهما مذهبيَّةٌ، وأن الفقه «أي: الاجتهاد» لا يتوقف على التمذهب.
وما أشار إليه -في أصل هذه المسألة- صحيحٌ من حيث التنظير الأصولي المجرَّد؛ ذلك أن المذاهب ما هي إلا آراءٌ فقهيةٌ نتجت عن نظر المجتهدين، فلو جَعلنا طريق الفقه والاجتهاد لا يُوصل إليه إلا بالتمذهب (الذي هو الفروع المُنْتَجَة)، للزم من ذلك «الدَّوْرُ»؛ إذ كيف يتوقف الاجتهاد على نتاجه وثمرته؟! ولهذا قرر أئمة الأصول أنَّ معرفة الفروع وحفظها ليس من شروط المجتهد؛ لأن الفروع نتاجُه، فلو جُعِلَتْ شرطاً فيه، لصار الشرطُ مشروطاً، والمشروطُ شرطاً، وهذا محالٌ كما هو مقررٌ في كتب الأصول.
غير أنَّ هذا التقريرَ -وإن صَحَّ نظرياً في أصل النشأة- إلا أنه بعد استقرار المذاهب المتبوعة وانعقاد المدارس الفقهية، جرتِ العادةُ الغالبةُ والسُّنَّةُ العِلميةُ المُطَّرَدَةُ -التي لا يكاد يَنْبُو عنها أحدٌ من أئمة العلم- أنه لا سبيلَ إلى بلوغ رتبة الاجتهاد والنظر إلا بدراسة هذه المذاهب، والتدرج في معارجها.
وإنني إذْ أُقَدِّرُ للزميل العزيز غيرته على العلامة الشوكاني، أحببتُ أن أُقَيِّدَ حول هذا الطرح بعض الملاحظات المنهجية، تحريراً لمحل النزاع، ووضعاً للأمور في نصابها:
أولاً: لا يختلف منصفان في أن العلامة الشوكاني ضرب بسهمٍ وافرٍ في شتى الفنون، وسيرته في الزهد والورع والصدع بما يدين الله به ظاهرةٌ مشهورة.
ويُؤخذُ عليه حملتهُ الشديدة على المذاهب الفقهية وأتباعِها، كما يؤخذ عليه مسائل في الاعتقاد، وكلمات قليلة في بعض الصحابة، ونحن مع حفظنا لمقامه، واعترافنا بمنزلته، نخالفه في تلك القضايا.
ثانياً: قول الزميل بأن المذاهب الأربعة مجرد «وسيلة لتصور المسائل» فيه تبسيطٌ يخلُّ بحقيقتها. فالمذاهب المتبوعة ليست فهارسَ لترتيب الفروع، بل هي مدارس ومناهج وقواعد للاستنباط، تمثل تراكماً علمياً لمئات السنين من سبر الأدلة، وتحرير القواعد والمسائل، وضبط أصول الاستنباط.
إن دراسة الفقه عبر مذهبٍ متبوع صناعةٌ للمَلَكَة الفقهية؛ لكيلا تخوضَ العقولُ في نصوصِ الوحي بغير زمامٍ ولا خِطَام. وحتى الأئمة الكبار كابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم، ما بلغوا الرتبة التي هم عليها إلا بعد أن رضعوا لبان المذاهب، وضبطوا أصولها، فكان التمذهب لهم سُلَّماً للارتقاء، لا جداراً للانغلاق.
ثالثاً: أما الاستدلال بخلو المائتي سنة الأولى من المذاهب وجعله حجة على عدم لزومها، فهو قياس مع الفارق الجلي، ومبني على تصور يجانب التحقيق الأصولي؛ إذ لم يكن الصحابة والتابعون رضي الله عنهم بأجمعهم مجتهدين، بل كان فيهم المفتي والمستفتي، والعالم والمقلد، ولم يتصدر للفتوى والاجتهاد منهم إلا ثلة قليلة.
غير أن ميزة أولئك الأعلام أنهم كانوا أهل اللسان العربي الفصيح، وصفاء الأذهان، ومخالطة التنزيل، ومعرفة قرائن الأحوال وأسباب النزول. فكانت أدوات النظر الفقهي منهم قريبة المأخذ، دانية القطوف؛ فمن صرف همته وبذل وسعه في إعمال تلك الأدوات، أدرك رتبة الاجتهاد من كَثَب، وبلغ شأوها بيسر لا يتأتى لمن جاء بعدهم.
ولما تباعد الزمان، وفسد اللسان، وضعفت الملكات، وتوسعت رقعة النوازل؛ أقام الله أئمة الهدى لتدوين قواعد الاستنباط وضبط المذاهب، حراسة للدين من عبث العابثين وتجرؤ المتعالمين. فما سهل على الأوائل لقرب مأخذهم وصفاء معينهم، لا يسهل على الأواخر لضعف آلتهم وتراكم الحواجز دونهم.
رابعاً: لعل المُغلظ على العلامة الشوكاني يشير إلى واقعٍ مؤلم تعيشه الساحة الفقهية، إنَّ مأخذ المحققين من أهل العلم على طائفةٍ من المتأخرين كالشوكاني ليس طعناً في دينهم أو علمهم، بل هو نقدٌ لمنهجية الذي يدعونَ فيه إلى تجاوز المذاهب الفقهية، والدعوة إلى الاجتهاد المباشر من النصوص دون التدرج في محاضن الفقه المعتمدة.
لقد نظَّرَ العلامة الشوكاني رحمه الله لمنهجٍ يذم التقليد مطلقاً، ويدعو العامة وطلبة العلم للأخذ المباشر من الدليل.
ولما طُبِّق هذا المنهج على يدِ مَنْ ليس بأَهْلٍ له، أحدث فوضى فقهية عارمة؛ فأورثنا أجيالاً تقفز فوق قواعد الأصول، وتستهين بفقه الأئمة، وتستخرج أحكاماً شاذة بظاهر حديثٍ صححوه بغير فقه، أو أثرٍ بَتَرُوهُ عن سياقه؛ ظناً منهم أنَّ الفقهَ هو مجردُ اقتناءِ كتابٍ في الحديث ومطالعته!
وخلاصة القول: إننا نُجِلُّ أئمتنا وننتفع بتراثهم، ولكننا نقرر أن «صناعة الفقيه» وحراسة الفتوى لا تستقيمان اليوم إلا بسلوك نهج المدارس الفقهية الموروثة. فحفظ مقامات العلماء يتسع للنقد المنهجي الرصين، دون تعصبٍ مُقِيت، ودون انفلاتٍ من ضوابط التشريع، رحم الله أئمتنا أجمعين، وبَصَّرنا بمآخذ العلم ومناهج اليقين.