تحرير المفاهيم: بين الكرامة الربانية ودعوى الخُرافَة
من عجائب ما نعاينه في هذا الزمان، وتضيق به صدور العقلاء، ذلكمُ التناقض العجيب الذي يَتَلبَّسُ به بعض المخالفين؛ إذ انبرى لي أحدهم ناصحاً: «لو أنك تصرف وقتك في تعليم الناس أفضل من الحديث عن المولد والتصوف!».
وإنِّي -بفضل الله ومنته- أُصْرِفُ جُلَّ وقتي في مجالس التعليم؛ فدروسي مع طلابي أو عبر الفضاء الإلكتروني لا تقل عن أربعة دروس في اليوم والليلة معظمَ السنة، تتنوع بين الفقه وأصوله، والعقيدة، والمنطق، والقواعد الفقهية، وعلوم اللغة، وعلوم القرآن، وأستثمر ما يمكنني في التأليف والمطالعة.
وما أقتطعه لنشر مقالة أو خاطرة على منصات التواصل، لا يكاد يبلغ عُشْرَ ما أمضيه في التدريس والتأليف.
غير أن فُضولاً دفعني للنظر في صفحته؛ فإذا بالصفحة طافحة بالطعن والتبديع، لا يَفْتَأُ يرمي جمهور الأمة بالبدعة والخرافة، بسبب المولد والتصوف ونحو ذلك!
فأدركتُ حينها أن غاية ما يرُومهُ هؤلاء هو الاستئثار بالحديث، يريدون أن يتكلموا هم ويسكت غيرهم، وأن يطعنوا في سَوَاد علماء الأمة ويُسَفِّهوهم، ويطلبون منا السكوت والمداهنة!
إن محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرض محتوم في عُنق كل مسلم، والاحتفاء بمولده الشريف ليس هو أصل المحبة فحسب، بل هو صورة من صور التعبير عن هذه المحبة العظيمة. وهذه الصورة -منذ ظهورها- قد أطبق سَوَاد علماء الإسلام، قديماً وحديثاً، على جوازها واستحسانها، ولم يمنعها في تاريخ الأمة إلا أفراد قِلَّة؛ كالإمام ابن تيمية، والشاطبي، والفاكهاني، وابن الحاج. فكيف نَسْكُتُ عن فئة تَتَطاولُ على إجماع الأمة العَمَلي، وتطعن في أئمتها الراسخين؟!
ثم إن من كبريات المُجازفات التي يَتَخَبَّطون فيها، رَمْيَهم لمسالك الصالحين وكراماتهم بـ«الخُرافَة»! ولو رجعوا إلى جُذور اللغة ومرويات السنة لعلموا أن الخُرافَة تُطلق على كل حديث لا أصل له.
وقد ورد في تأصيلها ما أخرجَه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في شمائله، والطبراني في الأوسط، عن السيدة عائشة رضي الله عنها -في قصة طويلة- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدَّث نساءه بحديث، فقالت إحداهن: يا رسول الله، كأن الحديث حديث خُرافَة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتَدْرِينَ ما خُرافَة؟ إن خُرافَة كان رجلاً من عُذْرَة، أسَرَتْهُ الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهراً طويلاً، ثم ردُّوه إلى الإنس، فكان يُحدِّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خُرافَة». فصار هذا الاسم مضرب المثل في كل أمر مستغرب لا سَنَدَ لصحته.
فإذا تقرَّر هذا؛ فإن من أعظم الجناية على الدين، أن يُسْحَبَ لفظ «الخُرافَة» ليُطلق على «كرامات الأولياء»، مع أن إثبات الكرامات هو من صميم معتقد أهل السنة والجماعة، وقد دلَّ عليه القرآن الكريم بقواطع الآيات؛ كما في قصة نبي الله سليمان عليه السلام مع الذي عنده علم من الكتاب حين قال: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}، وكما صرَّح التنزيل بما جرى للسيدة مريم البتول عليها السلام، حين كان يأتيها رزق الشتاء في الصيف، ورزق الصيف في الشتاء: {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}.
فجعلُ ما أثبته الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة «خُرافَةً»، لمجرد أنه جرى على يد عبد صالح لا يُوَافِقُ مشربُه مشربك.. هو عين الخُرافَة! فليست الكرامة الربانية الثابتة خُرافَة، بل الخُرافَة حقاً هي ردُّ الثوابت بالتشهي، وتطويع الدين ليُوَافِقَ الهوى.

د. سيف بن علي العصري
16 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 29 أغسطس 2026 م