تأملتُ هذهِ الملامحَ التي تعودُ بي إلى ستةٍ وأربعينَ عامًا خلتْ، وها أنا ذا أتجاوزُ نصفَ قرنٍ، فوجدتُ أنَّ السنينَ تُطوى من كتابِ العمرِ كأنَّها خفقةُ طيفٍ أو رَجْعُ صدى!

عجبًا لقطارِ الأيامِ كيفَ يمضي سراعًا، تنسلُّ اللحظاتُ من بينِ أيدينا خلسةً، ويبقى المرءُ مرتهنًا بما أودعَ في صحائفِهِ وخزائنِ أوقاتِهِ.

إنَّ في توالي السنينِ لموعظةً بالغةً، تنادي في الروحِ أنْ تنفضَ عن كاهلِها غبارَ الغفلةِ، وتحدو بالقلبِ إلى يقظةٍ صادقةٍ تُعيدُهُ إلى فطرتِهِ.

ما أحوجَنا يا أحبتي إلى التداركِ؛ أنْ نرتقيَ في مراقي الطهارةِ والنقاءِ، ونجلوَ صدأَ القلوبِ بماءِ الإنابةِ، ونُقبلَ على اللهِ جلَّ جلالُهُ إقبالَ المفتقرِ الراجي، المستأنسِ بقربِهِ.

فليستِ العبرةُ بما مضى وانقضى من تقصيرٍ، بل بصدقِ التوجهِ فيما بقيَ، وتصفيةِ السرائرِ لبارئِها.

اللهمَّ باركْ لنا ولأحبتِنا في أعمارِنا، واجعلْ ما نستقبلُهُ من أيامِنا خيرًا ممَّا أدبرَ، وزكِّ نفوسَنا أنتَ خيرُ من زكَّاها، ولا تجعلْ للدنيا في قلوبِنا سُلطاناً.

الجمعةُ ٨ ربيعٍ الأولِ ١٤٤٨هـ، الموافقُ ٢١ أغسطسَ ٢٠٢٦م.