الصحابة لم يحتفلوا بالمولد النبوي فلماذا تحتفلون؟
يُورد بعض المانعين للاحتفاء بالمولد النبوي الشريف شبهةً متكررة، زاعمين أن الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم أشد الأمة حباً لرسول الله ﷺ، لم يحتفلوا بمولده، ولو كان في ذلك خيرٌ لسبقونا إليه.
وحقيقة الأمر أن هذه حجة واهية، وتُدفع من وجوهٍ أربعة:

أولاً: ميزان الشرع في النوازل والمحدثات، فمسلك الأئمة الفقهاء في تكييف الأمور المحدثة والحكم عليها، إنما هو عرضها على كليات الشريعة وقواعدها؛ فإن خالفتها رُفضت، وإن حققت مقاصدها واندرجت تحت أصولها قُبلت.

وقد أصَّل الإمام الشافعي هذا المعنى بعبارةٍ ناصعةٍ فقال: «المحدثات ضربان:
ما أحدث يخالف كتاباً أو سنةً أو أثراً أو إجماعاً، فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئاً من ذلك، فهذه محدثة غير مذمومة».

وبالنظر في مجلس المولد، نجده لا يخرج عن تلاوةٍ للقرآن، ومدارسةٍ للسيرة، وإنشادٍ للمدائح، وإطعامٍ للطعام، وكلها قُرُبات مشروعة.

ومتى ثبت انسجام الأمر الحادث مع قواعد الشرع، لم يقدح في قبوله ترك الصحابة له؛ إذ كم من مشروعاتٍ اندرجت تحت قواعد الشرع، فعلها الصحابة ولم يفعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفعلها التابعون ولم يفعلها الصحابة، وهكذا فيمن بعدهم.

ثانياً: أصل الاهتمام بيوم ولادته الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم قد نبه عليه النبيُّ نفسه؛ ففي الحديث حين سُئل عن صيام يوم الاثنين، أجاب قائلاً: «ذاك يوم ولدت فيه».
وقد صامه الصحابة التزاماً بهديه، وإنما المُحدَث هنا هو هيئة الاجتماع على تلاوة القرآن والإنشاد والإطعام، لا أصل العناية باليوم.

ثالثاً: لقد كان الصحابة الكرام يعيشون سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفاصيل أيامهم، ويلقنونها أبناءهم ومواليهم كما يلقنونهم السورة من القرآن.
ولما كانت سيرته ماثلةً في أذهانهم لا تغيب، لم تكن بهم حاجةٌ ماسة لإحياء مواسم مخصوصة تُذكِّرهم بما هم فيه مقيمون.

رابعاً: إن غاية ما يُعقد لأجله المولد هو مدارسة السيرة النبوية، وشكر المُنْعِم جل وعلا على نعمة إرساله وبعثته. وقد حقق الصحابة أصل هذا المقصد؛ حيث كانوا يعقدون المجالس ليتذكروا نعمة الله عليهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومِصداق ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والنسائي من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف على حلقةٍ من أصحابه فسألهم عن سبب جلوسهم، فقالوا: «جلسنا ندعو الله ونحمده على ما هدانا لدينه، ومَنَّ علينا بك».

خلاصة القول وملاك الأمر:
إن ترك الصحابة لهيئةٍ معينة من هيئات الاجتماع، لا يعدو أن يكون تَرْكاً لا تحريماً، ما دام أصل الفعل ومقاصده مندرجاً تحت الأصول العامة للشريعة، ومحقِّقاً لغاية الشكر على أعظم نِعَم الله على هذه الأمة. والله أعلم

الدكتور/ سيف بن علي العصري