إن مما قلته قديماً وما زلتُ أؤكده اليوم، أن لكل مسلمٍ حظاً ونصيباً من التعلق بالجناب النبوي الشريف ومحبته صلى الله عليه وآله وسلم، إذ هي أصلٌ عظيم، لا يصح إيمان العبد إلا بها.
بيد أن هذه المحبة ليست في القلوب على درجةٍ سواءٍ، بل تتفاوت تفاوتاً عظيماً، وتتباين تبياناً جلياً يعكس منازل الناس في مقامات الإيمان والمعرفة،
فيعلو معيار هذه المحبة ليبلغ ذروته وكماله في قلوب الصالحين والمقربين، والمشتغلين بسنته المطهرة، والغائصين في سيرته العطرة.
فهؤلاء تعلقت أرواحهم بجميل أخلاقه وكمال شمائله صلى الله عليه وآله وسلم، فخالطت محبته بشاشةَ قلوبهم، وأورثتهم شوقاً لا يهدأ، وحنيناً لا يفتر.
فصار اتباعهم له نابعاً من فيض عاطفةٍ صادقة، وحرارةِ وجدانٍ تُحيي الباطن قبل أن تُحرك الظاهر.
وينحدر معيار المحبة عند آخرين حتى يبلغ أدنى مراتبه؛ حيث ضيَّقوا المعنى الواسع، واختزلوا حقيقة المحبة ومواجيدها في الاتباع الجاف.
لقد غفل هؤلاء عن روح المحبة، فاضمحلت في نفوسهم مشاعر الود، وجَفَّتْ بواعث القرب، حتى أمست علاقتهم بالسنة رسوماً وقوالبَ خاليةً من الروح.
فالاتباع بلا محبةٍ قلبيةٍ وعاطفةٍ جياشة، هو كجسدٍ بلا روح، أو شجرةٍ لا ثمرة لها.
فالمحبة للجناب النبوي طائرٌ لا يحلق إلا بجناحين: انقيادٌ وامتثالٌ في الظاهر، وشوقٌ وتعظيمٌ وودٌّ صادقٌ في الباطن، جعلنا الله متحققين بذلك. آمين