أنتم تحتفلونَ بيومِ وفاته؟!!
يطرق مسامعنا في كل عامٍ شبهةٌ يلوكها بعضُ المانعين للاحتفاء بالمولد النبوي الشريف، مفادها: «كيف تحتفلون وتفرحون في الثاني عشر من ربيع الأول، وهو ذات اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ؟ وموته أعظم المصائب، فكيف يُتخذ يوم المصيبة فرحاً؟!».
وهي شبهةٌ واهيةٌ لا تصمد أمام النقد، وتندفع بوجهين جليَّين:
الوجه الأول:
إن دعوى الإجماع على أن الثاني عشر من ربيع الأول هو يوم وفاته صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ دعوى واهمة لا تصح؛ بل التحقيق الذي قرره جهابذة الحفاظ ينقضها.
وقد تجلى ذلك ببيان الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»، حيث بيَّن أن الأمة أجمعت على أن الوفاة كانت يوم الاثنين، غير أن تعيينه بالثاني عشر مشكلٌ غاية الإشكال.
وبيان ذلك بالحساب والتاريخ:
لقد اتفق العلماء على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وبناءً عليه فإن أول شهر ذي الحجة هو يوم الخميس. فمهما دُوِّرَت الشهور الثلاثة اللاحقة (ذو الحجة، والمحرم، وصفر) بين النقص والكمال، استحال حسابياً أن يوافق الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين! وهو استشكالٌ ذكره الإمام السهيلي وأيده الحافظ ابن حجر.
ولذا؛ فقد جنح المحققون -وعليه اعتمد أبو مخنف، والكلبي، والسهيلي، وختم به الحافظ ابن حجر- إلى أن المعتمد في يوم وفاته صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ هو اليوم (الثاني) من ربيع الأول، أو غُرَّتَه، لا (الثاني عشر). وكأن الوهم سرى من تحريف النُّسَّاخ؛ إذ قيل: «مات في ثاني شهر ربيع الأول» فتُصحِّفت إلى «ثاني عشر»، فاستمر الوهم يتناقله الناس من غير تأمل.
فبطلت بذلك دعوى المانعين من أساسها التاريخي.
الوجه الثاني: من جهة المقاصد وقواعد الشريعة، فلو فرضنا جدلاً صحة التاريخ، وتوافق يوم المولد مع يوم الوفاة؛ فإن ميزان الشريعة يأبى ما ذهب إليه المانعون من استدعاء الحزن وتجديد المآتم. وقد شفى الغليل في ذلك الإمام المحدث الفقيه جلال الدين السيوطي في «الحاوي للفتاوى»، حيث قرر قاعدةً بديعة، فقال:
«إن ولادته صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ أعظم النعم، ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، والصبر والسكون عند المصائب. وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة وهي إظهار شكر وفرح بالمولود، ولم يأمر عند الموت بذبح عقيقة ولا بغيره، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع؛ فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ دون إظهار الحزن بوفاته».
فتأمل كيف استنبط الإمام السيوطي من مسألة «العقيقة» قاعدةً كلية؛ فالشرع ندبنا إلى إظهار الفرح والمسرَّة عند تجدد النعم، وطالبنا بالكتمان والتسليم ونهانا عن تجديد الأحزان عند نزول المصائب.
خلاصة القول:
إن المطلوب منا شرعاً هو الفرح بفضل الله، والشكر لسابغ نعمائه، والتذكير بأيامه العظيمة، وليس في ملتنا تجديدٌ للأحزان ولو كانت في أعظم الخطوب.
فلتفرح القلوب بميلاد سيد الوجود صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، ولتصدح الألسن بالثناء عليه، ولا يلتفت العاقل بعد هذا التحرير إلى شبهةٍ واهية زلَّت بها الأقدام.
كتبه/ د. سيف علي العصري
4 ربيع الأول 1443هـ، 10 أكتوبر 2021م
أنتم تحتفلونَ بيومِ وفاته؟!!