أريج النِّسرين في حُكم الأكل باليمين
الحمد لله حمداً نستجلب به كل نعمة، وندفع به كل نقمة، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإنَّ الباعث على تحرير هذه الرسالة، أنني إبَّان عملي بمركز الفتوى في موقع «إسلام ويب»، وردت إلينا نازلةٌ يُسأل فيها عن حُكم الأكل باليد اليُسرى، فأجبتُ حينها بما تقرر في المذاهب: أنَّ الأكل باليُمنى سُنةٌ ومندوب، وباليُسرى مكروه، وعلى هذا اتفقت المذاهب الأربعة.

فلما طالعها القائمُ على مراجعة الفتاوى -وهو من الفضلاء- استنكر ذلك، وقال: إنَّ الأدلة تفيد الوجوب، فكيف تجنح إلى الاستحباب؟! ثم ظنَّ أنني إنما أفتيتُ بذلك تعصباً لمذهبِ الشافعية، فقال مُعرِّضاً: «لو قال لك الشافعية إنَّ الشمس تطلع من المغرب، لقلتَ إنها تطلع من المغرب!».

فأجبته بأنَّ هذا التقرير ليس مما تفردت به السادة الشافعية، بل هو المُعتمد المُقرر في المذاهب الأربعة قاطبة.

فنهضتِ الهمَّةُ لجمع هذه الرسالة تحريراً لأقوال أهل العلم في مسألة الأكل باليمين، مع بيان الدليل والتعليل، واللهَ أرجو أن يكون هذا الجزء نافعاً مفيداً.
فأقول وبالله التوفيق:

لقد اتفقت المذاهب الأربعة المتبوعة على أنَّ الأكل باليمين معدودٌ من جملة الآداب، وليس من الواجبات المُتحتمات. وخالف في ذلك الإمام ابن حزم الظاهري في آخرين، فذهبوا إلى وجوب الأكل باليمين تمسكاً بظواهر الأخبار.
وهذه حكايةُ أقوال المذاهب الأربعة:

أولاً: مذهب السادة الحنفية
قال الإمام ابن نجيم الحنفي: «المواظبة لا تفيد السنية إلا إذا كانت على سبيل العبادة، وأما إذا كانت على سبيل العادة فتفيد الاستحباب والندب لا السنية، كلبس الثوب والأكل باليمين. ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على التيامن كانت من قبيل الثاني – أي العادة - فلا تفيد السنية، كذا في شرح الوقاية، وكذا قال في السراج الوهاج: إن البداءة باليمنى فضيلة على الأصح». انتهى من (البحر الرائق: 1/30).

ثانياً: مذهب السادة المالكية
قال الإمام النفراوي: «والآداب المقارنة أن تتناول المأكول والمشروب بيمينك على جهة الندب لخبر: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»» انتهى من (الفواكه الدواني).

والقول بندب الأكل باليمين هو المنصوص عليه عند المالكية في "مختصر خليل" وشروحه، بل في عامة كتب المذهب.

ثالثاً: مذهب السادة الشافعية

قال الإمام الخطيب الشربيني: «ويكره نفض يده في القصعة والشرب من فم القربة، والأكل بالشمال والتنفس والنفخ في الإناء» انتهى من (مغني المحتاج: 4/412).

وهذا هو المنصوص عليه في معتمدات المذهب؛ كـ "أسنى المطالب" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، و"تحفة المحتاج" للإمام ابن حجر الهيتمي، وغيرهما.

رابعاً: مذهب السادة الحنابلة

قال الإمام ابن قدامة: «تستحب التسمية عند الأكل، وأن يأكل بيمينه مما يليه، لما روى عمر بن أبي سلمة قال: «كنت يتيماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» متفق عليه». انتهى من (المغني: 7/222).

وقال الإمام المرداوي: «وتستحب التسمية عليهما، والأكل باليمين. ويكره ترك التسمية والأكل بشماله إلا من ضرورة، على الصحيح من المذهب. وعليه جماهير الأصحاب. وذكره النووي في الشرب إجماعا. وقيل: يجبان» انتهى من (الإنصاف: 8/327).

مأخذ القائلين بالوجوب وحرمة الأكل بالشِّمال
ذهب إلى القول بالوجوب أئمة الظاهرية، واختاره الإمام تقي الدين السبكي من الشافعية، كما حكاه عنه ولده الإمام تاج الدين السبكي. وقد استمسك القائلون بالوجوب بأدلة من ظواهر السنة، منها:
ما أخرجه الشيخان من حديث عمر بن أبي سلمة وفيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وكل بيمينك».

وما رواه مسلم وأحمد من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال».

وما رواه مسلم وأحمد عن سلمة بن الأكوع أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشماله، فقال صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ: «كل بيمينك». قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكِبر، قال: فما رفعها إلى فِيه.

فائدةٌ: قال الإمامُ النووي: «هذا الرجل هو بُسر بضم الباء وبالسين المهملة بن راعي العَير بفتح العين، وبالمثناة، الأشجعي كذا ذكره بن منده وأبو نعيم الأصبهاني وبن ماكولا وآخرون، وهو صحابي مشهورٌ، عَدَّهُ هؤلاء وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
وأما قول القاضي عياض رضي الله عنه إن قوله ما منعه إلا الكبر يدل على أنه كان منافقا فليس بصحيح، فإن مجرد الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق والكفر، لكنه معصية إن كان الأمر أمر إيجاب». شرح صحيح مسلم (13/ 192).

ووجه الاستدلال عندهم من هذه الأخبار ينتظم في ثلاث دلالات تفيد الوجوب:

الأولى: ورود الأمر منه صلى الله عليه وآله وسلم بالأكل باليمين، والأصل في الأمر الوجوب.

الثانية: أن الأكل بالشمال فيه تشبه بالشيطان.

الثالثة: دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الآكل بشماله، ولو كان الأكل باليمين مستحباً لما دعا عليه.

وأجاب جماهير الفقهاء عن تلك الاستدلالات بما يسفر عن وجه الحق، وبيانه من وجوه:

أما دعوى الوجوب بصيغة الأمر:

فإن المقرر في قواعد الأصول، أن صيغة الأمر وإن كانت في أصل وضعها تفيد الوجوب، إلا أنها قد تخرج عن مقتضاها وتنزاح عن أصلها في حالات كثيرة وصور متعددة، تجاوز بها أئمة الأصول ثلاثين صورة؛ فقد ترد صيغة الأمر ويراد بها السنية، أو الإباحة، أو التهديد، أو الامتنان، إلى غير ذلك مما هو مسطور في مطولات الفن.

وقد قرروا أن من جملة القرائن الجلية الصارفة لصيغة الأمر عن الوجوب إلى الندب: أن يرد الأمر في باب الآداب والمكارم، كقوله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾. وقد مثل الأصوليون لهذه القاعدة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل بيمينك، وكل مما يليك». ولا مراء في أن الأكل باليمين مندرج تحت باب الأدب ومحاسن العادات.

قال الإمام ابن عبد البر: «وأصل النهي أن تنظر إلى ما ورد منه وطرأ على ملكك أو على ما ليس في ملكك، فما كان منه وارداً على ملكك فهو يمين آداب وإرشاد واختيار، وما طرأ على غير ملكك فهو على التحريم، وعلى هذا ورد النهي في القرآن والسنة... والاستنجاء باليمين دون الشمال والأكل بالشمال دون اليمين.. فهذا كله وما كان مثله نهي أدب وإرشاد لأنه طرأ على ما في ملك الإنسان، فمن واقع شيئًا من ذلك لم يحرم عليه فعله». انتهى من (الاستذكار: 5/288).

وأما دعوى التحريم للتشبه بالشيطان:
فلا تنهض دليلاً على الحرمة؛ فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المجلس بين الظل والشمس هو «مجلس الشيطان» كما رواه الإمام أحمد.
وأخبرنا صلى الله عليه وآله وسلم في أمر القيلولة بقوله: «قِيلُوا فإن الشيطان لا يَقِيل»، رواه الطبراني في الأوسط، وصححه بعض المحدثين لتعدد طرقه وإن ضعفه آخرون.
وفي سنن ابن ماجه: «وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله»، صحح إسناده المنذري والمناوي.
ومع توارد هذه الأخبار، فلا نعلم قائلاً بوجوب القيلولة، والجماهير من العلماء على عدم وجوب المناولة باليمين، فانسحب هذا الحكم على غيره.

وأما دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الآكل بشماله فقد أجابَ عنه العلماء بما يدفعُ الإشكال، وقيل في توجيهه:

1- أن الرجل كان منافقاً، بدليل رده أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كِبراً واستعلاءً، وبذلك جزم القاضي عياض، وسبقَ عدمُ ارتضاء الإمام النووي لهذا.

2- أن الدعاء عليه إنما كان لمخالفته الحكم الشرعي بلا عذرٍ، سواء كان الأمر الذي تمت المخالفة فيه واجباً أم مسنوناً.
قال الإمام المناوي: «ودعاؤه على الرجل إنما هو لِكِبْرِهِ الحامل له على ترك الامتثال، كما هو مبين». انتهى من (فيض القدير: 1/298).

فائدة ختامية:
مما ينبغي التنبيه عليه، أن تقرير «كراهة» الأكل بالشمال إنما يُناط بحال السَّعة والاختيار، أما إن كان بالمرء عذرٌ يمنعه من استعمال يمينه؛ كمرضٍ أو جراحةٍ ونحوهما، فإنَّ الكراهة ترتفع حينئذٍ وتزول، والمشقة تجلب التيسير.
والله جل جلاله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
كتبه/ د. سيف بن علي العصري
12 جمادى الأولى 1424 هـ ، 12 يوليو 2003 م