يحفظُ اللهُ الأرضَ بالصالحين
تَوَهَّمَ أقوامٌ قَصَرَ باعهم في فقه الوحيين أن القول بكونِ الأرض محفوظةً بالصالحين مما يقدحُ في التوحيد، وما ذاك إلا لغفلتهم عن فقه النصوص، وضعفِ وعيهم بمدلولاتها، فقد جعل المولى الاستغفار والإصلاح أماناً من الاستئصال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]، وناط بقاء الديار بوجود المصلحين: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]، ولولا مدافعة الله بخياره لفسدت الأرض وسَاخَتْ.
وقد سُئل صلى الله عليه وآله وسلم: أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ فأجاب: «نعم، إذا كثر الخبث»، فمفهومه أن غلبة الصلاح دَرْءٌ للهلاك.
بل جعل النصر والرزق معقودين ببركتهم: هل تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلا بضعفائكم؟.
ولقد أرسى النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قاعدة الأمان حين قال: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» (وفي مسند أحمد وسنن الترمذي: «وَعِتْرَتِي»، فمتى عُصِمَت الأمة من الغواية بهذا التمسك، أَمِنَت العقاب واستجلبت الحفظ.
كما أثبت وصف «الأَمَنَةِ» لأهل الفضل بقوله: «وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي»، فبوجودهم يُدْفَعُ البلاء وتُحْفَظُ البلاد.
إن الله جل جلاله هو ﴿خَيْرٌ حَافِظاً﴾ [يوسف: 64]، بيدَ أنه سبحانه أجرى سنته بربط المسببات بأسبابها، فجعل عباده المصلحين دِرْعاً سَابِغَةً تُرَدُّ بها النوازل.
فمن أنكر هذا فقد حُرِمَ فقه الشريعة ومقاصدها، فكيف لو تمادى بنفي ما أثبتَهُ الله، وجعلَ الحقَّ الذي جاء به الوحيُ شركاً!
د. سيف بن علي العصري
16 ربيع الآخر 1448 هـ الموافق 27 سبتمبر 2026 م