﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ .. فُيوضاتُ العنايةِ، وكمالُ الرعايةِ، لسيدِ الوجود صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ
تَتَفَيَّأُ القلوبُ ظلالَ هذه الآيةِ العظيمةِ، لتقفَ خاشعةً على عَتَبَاتِ الجلالِ والجمالِ، مُبْصِرَةً كيفَ أحاطتْ عنايةُ ذي الجلالِ بمُهْجَةِ الأكوانِ، وحبيبِ الرحمنِ، سيدِنا محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ.
ففي طياتِ هذه الكلماتِ النورانيةِ، تتجلى أسرارُ الحفظِ الإلهي، والتعليمِ اللَّدُنِّيِّ الذي فاضَ على قلبِهِ الشريفِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ.
حينَ كادتْ عَصَبِيَّةُ الجاهليةِ أن تُمَوِّهَ الحقائقَ في قصةِ السرقةِ الشهيرةِ، وحينَ مالَ الحبيبُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ بحُكْمِ بشريَّتِهِ الطاهرةِ، والبينةِ الظاهرةِ أمامَهُ؛ تنزَّلَ الوحيُ الأمينُ كاشفاً لأستارِ الغيوبِ، ومُوجِّهاً لموضع اجتهادِهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، ليقفَ الوحيُ الشريفُ سَدّاً منيعاً دونَ كيدِ الخائنينِ؛ فيُبرِئَ يهودياً بريئاً، ويُدينَ مسلماً وقعَ في الخيانةِ.
لِتعلمَ الدنيا قاطبةً أن عدالةَ سيدنا محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ محفوفةٌ بالرعايةِ الإلهيةِ، لا تُحابى فيها قبيلةٌ، ولا يُظلَمُ في رِحابِها مُستضعفٌ.
ومن ألطفِ ما جادتْ بِهِ قرائحُ أئمةِ التفسيرِ في هذه الآيةِ، ما استنبطَهُ الإمامُ الفخرُ الرازي بقلبٍ مُحِبٍّ وبصيرةٍ نافذةٍ؛ إذْ لاحظَ أن اللهَ سبحانه وصفَ متاعَ الدنيا كُلَّهُ بأنَّهُ قليلٌ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، ووصفَ علمَ الخلائقِ أجمعينَ بأنَّهُ قليلٌ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.. فلما جاءَ إلى العلمِ الذي أودعَهُ في صدرِ حبيبِهِ ومصطفاهُ، جاوزَ بِهِ حدودَ القِلَّةِ، وتوَّجَهُ بتاجِ العظمةِ فقالَ: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فبأبي هو وأمي، علمُهُ أعظمُ من الدنيا وما فيها!
لقد كان علمُهُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ رحمةً، وعصمتُهُ رحمةً، وتأييدُ السماءِ لهُ رحمةً. فصلَّى اللهُ وسلَّمَ على مَنِ اصطفاهُ مولاهُ، وأدَّبَهُ فأحسنَ تأديبَهُ، وعلَّمَهُ ما لم يكن يعلمْ، ففاضَ نورُهُ على الخافقينِ.. فداهُ الآباءُ والأمهاتُ، حبيبُ القلوبِ، وسيدُ الأبرارِ، المصطفى المختارُ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ.
د. سيف بن علي العصري