هل عابَ النُّقادُ على العلامةِ الشوكاني محاربتَهُ للتعصب أم ذمَّهُ للتقليدِ الشرعي
من آفات النظر العلمي، وأسباب الاضطراب في تقييم مناهج العلماء «كالعلامة الشوكاني» غياب التحرير للمصطلحات العلمية التي استقرت عند أهل الفن.
فيأتي بعض الفضلاء ليرد على نقدنا للمنهج «اللامذهبي»، ظنًّا أن نقدنا نابع من حماية «التعصب»، وأن الشوكاني إنما ذم المتعصبين فحسب!
وهذا الظن منشؤه خلط بين ثلاث مصطلحات متباينة، وهي: «التمذهب، والتصلب، والتعصب». ولا يستقيم حكم قبل فضِّ الاشتباه بينها:
أولاً: التمذهب، وهو سبيل المهتدين، وهو في عرف العلماء: التزام مذهب من المذاهب المعتبرة ليعمل به المرء ويأخذ برخصه وعزائمه، اتباعًا لمنهجِ إمامٍ مجتهدٍ استخرجَ الأحكامَ وقعَّدَ الأصولَ.
وهذا التمذهب هو الصورة المثلى للتقليد المشروع الذي دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وأجمعت عليه الأمة قرنًا بعد قرن، كما نقله الإمام ابن قدامة والآمدي والخطيب البغدادي؛ إذ لو كُلِّف عوام المسلمين وقصار الطلبة بالاجتهاد ومعرفة الأدلة كلها لتعطلت معايشهم وفسد دينهم، فالتمذهب مدرسة للانضباط لا حزبية للتفرق.
ثانيًا: التصلب، وهو مقام محمود لغير المجتهد، وهو الاستمساك بالمذهب، وعدم الحيدة عن أقواله ومعتمداته.
وهذا التصلب يُذَم في حق «المجتهد المطلق، والمجتهد الجزئي» الذي استبان له الدليل القاطع؛ لكنه في حق العامي وطالب العلم القاصر «وهم سواد الأمة» مقامٌ محمودٌ مطلوبٌ.
فلماذا يحيد غير المجتهد عن مذهبه؟! وبأي آلة سيرجح خلافه؟! إن حيدته لن تكون -والحال هذه- إلا عن تَشَهٍّ، وتتبع للرخص، وإنْ سمَّاه «اتباعاً».
فتصلب المقلد على مذهبه عصمة له من فوضى الفتاوى ولعب الأهواء.
ثالثًا: التعصب، وهو الداء العضال، الذي نذمه ويذمه كل منصف، وهو: اعتقاد المرء أن مذهبه هو الحق المطلق، وأن مذاهب الآخرين باطلة، مع تسفيه المخالفين، وتضليلهم في مسائل يسع فيها الخلاف.
هذا هو التعصب المقيت الذي برئ منه أئمة المذاهب أنفسهم؛ فهذا علامة الشافعية ابن حجر الهيتمي يقول ناصًّا: «الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم... ولا حرج على من أرشد غيره إلى التمسك بأي مذهب من المذاهب الأربعة وإن خالف مذهبه».
أين وقع الزلل في تقييم منهج الشوكاني؟
بعد تحرير هذه المصطلحات، نعود لنقول للمعترض: إن لومنا وانتقادنا للإمام الشوكاني مع إجلالنا لعلمه لم يكن قط بسبب ذمه للتعصب؛ فنحن نوافقه في ذم التعصب.
إنما نقدنا له لأنه جاوز ذلك إلى هدم «التمذهب» واستنكار «التصلب» المشروع! ففي تفسيره «فتح القدير»، ورسالته «القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد»، شن غارة شعواء على المذاهب والتقليد، ونزل آيات ذم المشركين على مقلدي فقهاء الأمة، ثم -وهذه هي الطامة- شَرَعَ البابَ لكل إنسان ليجتهد بنفسه، ولم يقيد ذلك بأهل النظر والتمكن، بل أوجب على العامي ترك المذاهب والبحث عن الدليل! فأورثنا ذلك فوضى التعالم التي نكتوي بنارها اليوم.
وقد تصديت لكلام الإمام الشوكاني هذا بالتحليل والنقد المفصل، كلمة كلمة، في كتابي: «المقدمات الفقهية النافعة، والأسئلة المذهبية الشائعة»، في «الركيزة الثالثة» منه، مستعرضًا نصوصه الصريحة من كتبه، فمن رام الوقوف على مدارك اليقين فليراجعه ثَمَّ.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
د. سيف بن علي العصري
16 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 29 أغسطس 2026 م