مناقشة لكلام د. محمد عثمان الخشت حول المنطق الأرسطي وحجة الإسلام الغزالي والتطرف
ظهرَ عندي مقطعٌ مصورٌ «بودكاست» للدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ الفلسفة والرئيس السابق لجامعة القاهرة، يتناول فيه جذور التطرف والإقصاء.
وقد احتوى كلامه على مجازفات معرفية، وإطلاقات تفتقر إلى التحقيق، وفيها من الشطط والظلم اللائحِ لمدرسة الفقهاء عموماً، وللإمام أبي حامد الغزالي والمنطق خصوصاً، ما يوجب البيان والرد وفق موازين البحث.
ويمكن تلخيص مكامن الخلل في طرحِهِ في أربعِ وقفاتٍ:
الوقفةُ الأولى: سياقُ كلامِ الدكتور يُشيرُ إلى أن الغزالي كفَّر أرسطو والفلاسفة لإعمالهم الفكرَ والنظرَ، وجمعَ أئمة الدين وفقهاء الإسلام مع المتطرفين في سياقٍ واحدٍ، وأن مدرسة الفقهاء تعادي الفلسفة، وأنهم جميعا لا يفكرونَ إلا بعقلية المتطرف التي لا ترى إلا أبيض أو أسود.
وهذا زعمٌ يتصادم مع أبجديات المعرفة، فالإمام الغزالي لم يُكفِّر الفلاسفة لممارستهم «التفكير»، بل استوعب المنطق اليوناني ووطَّنَ الصالحَ منه في قلب العلوم الإسلامية، حتى صرَّح في مقدمة المستصفى بقاعدته الشهيرة: «وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقةَ لهُ بعلومِهِ أصلا».
وتكفيره انحصر في ثلاث مسائل محددة صادمت صرائح الوحي، لا في منهجية التفكير ذاتها، وما أبعد حجة الإسلام عن التفكير القطبي الثنائي (إما أبيض أو أسود) الذي رماه به د. الخشت! فالناظر المتأمل في أسفار الغزالي، كالمستصفى من علم الأصول، ومحك النظر، وميزان العمل، والقسطاس المستقيم، يدرك يقيناً كيف يشقق الإمام الاحتمالات، ويغوص في الفروق الدقيقة، ويزن الآراء بقسطاس العقل وقانون الاستنباط، مستوعباً للمنطقة الرمادية، ومفككاً للمعاني بمرونة عقلية فذة تأبى الحتميات السطحية التي يمارسها المتطرفون.
الوقفةُ الثانية: من العجب العجاب أن ينسبَ أستاذٌ للفلسفة عقلية المتطرف الإقصائية إلى استخدام المنطق الأرسطي وقانون «الثالث المرفوع»! مقدماً مثالاً بأن هذا المنطق يقول: الشيء إما أن يكون أبيض أو أسود ولا ثالث بينهما.
وهذا خلطٌ مُبينٌ بين مصطلحين منطقيين صارمين: «التقابل بالتناقض» و«التقابل بالتضاد»، فقانون الثالث المرفوع يحكم «المتناقضات» فقط كقولنا: الشيء إما أبيض أو لا أبيض، وهنا لا يوجد خيار ثالث. أما «الأبيض والأسود» فهما من قبيل «المتضادات»، والمنطق الأرسطي يقرر بوضوح أن المتضادات قد ترتفع، أي تتيح خيارات ووسائط أخرى كالرمادي أو الأحمر.
وبناءً عليه، فإن المتطرف الذي يقول: إما أن توافقني كلياً أو أنت كافر، لا يطبق المنطق الأرسطي، بل يجهله ويخالفه؛ لأنه يتعامل مع المتضادات «التي تقبل الوسائط» وكأنها متناقضات «لا تقبل الوسائط». فمشكلة المتطرف هي غياب المنطق، لا فرط استخدامه! ولا ينقضي عَجَبِي كيفَ يغيبُ هذا عن أستاذ فلسفة.
الوقفةُ الثالثةُ: دعا الدكتور الخشت إلى تجاوز منطق أرسطو نحو «منطق متعدد القيم»، وغاب عن الدكتور أن أرسطو ذاته كان أول مَن فطن إلى قصور الثنائية الحتمية! وأشار إلى ذلك في «المستقبليات الممكنة» وتُسمى «الإمكان الاستقبالي»، واستثنى أرسطو الأحداث المستقبلية من الخضوع للثنائية.
الوقفةُ الرابعةُ: إسقاط مصطلح «الترشيح الذهني» وغيرِهِ من مصطلحات علم النفس على قواعد المنطق هو خلطٌ للمقاماتِ، وبُعْدٌ عن التحقيقِ، فهذه المفاهيم صاغها علماء النفس لوصفِ الاختلالات المعرفية المَرَضِية التي يعاني منها المكتئبون أو المتطرفون، وهذه التشوهات هي في حقيقتها انحرافٌ عن العقلانية المنطقية لا استمساكٌ بها، فكيف نُحاكم القواعد المعيارية للعقل السليم بآفات الأمراض النفسية الإدراكية؟!
إنَّ نقضَ بنية التطرف غاية نبيلة لا نختلف عليها، بيد أنها لا تستقيم بتشويه التراث، ولا بإطلاق التعميمات السطحية على أئمة كالغزالي، ولا بخلط قواعد المنطق الصوري بالأمراض النفسية.
إن الفكر الإنساني سلسلة متصلة، ونقدها يستوجب تحرير المصطلحات، لا سطحيةً تقتلُ العلمَ والمعرفةَ والعقلَ.
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
د. سيف بن علي العصري
20 ربيع الأول 1448 هـ ، 2 سبتمبر 2026 م