متى جرت ردود الأفعال ومواقف الناس على سَنَنِ قانونٍ ضابطٍ في الفهم، ومنهجٍ في التأويل واضحٍ؛ انحصرت مآلاتُ النظر، وضاقت دائرة الاحتمالات لتستقر على وجهين أو ثلاثة، تمليها ضرورة الدليل وقاعدة المنطق.
ومقابل ذلك؛ متى غاب هذا القانون المُحكَم، وأُسْلِم القِياد للأمزجة المتفلتةِ والأهواء؛ انفتحت أبواب الاحتمالات على مصاريعها، وتشعبت الآراء تشعبا لا ضابط له.
ولتجلية هذا المعنى المنهجي، نضرب مَثَلينِ على ما ينشأ عن غياب قانون الفهم:
هَبْ أننا طرحنا مقالةً خاطئةً باطلةً بطلانا مَحضاً، فإن خضع تقييمها لمزاج بلا معيار، رأيت الاحتمالات مُشرعةً لا يحدُّها حصرٌ؛ فمن الناس مَن يتشرب باطلها بانحرافه التام، ومنهم مَن يقبل شطره، أو ربعه، أو عُشْره، ومنهم مَن يرده. فوضى في التلقي لا يحكمها أصل ولا يردعها عقل.
وعلى النقيض، لو أتينا بفكرة صائبة لا يعتريها خللٌ البتة، وعرضناها في سوقٍ تفتقرُ إلى قوانينِ الفهم والتأويل؛ لوجدتَ مواقف الخلق إزاءها تتفاوت تفاوتاً عجيبا، يمتد من أقصى التمجيدِ والقبولِ، إلى أقصى الرفض والجحود والمكابرة والازدراء.
وهذا، لَعَمْر الحق، هو مكمن الداء في زماننا؛ إذ اختلت موازين الفهم والتأويل بسبب هشاشة التأسيس، وتسرب ثقافات طارئة شوهت مدارك العقول، فأضحت الآراء تبنى على الأهواء، لا على القواعد والمُحكَمات.
9 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 22 أغسطس 2026 م