طالعتُ منشوراً نابعاً من عاطفةٍ لا من علمٍ، استولى على الكاتب الانبهار، حتى رفع الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله فوق قامات علماء الأمة كافة، جاعلاً إياه في «سماء مختلفة»، غَاضًّا طَرْفَه عن أئمة رسخوا في العلم وتلقت الأمة مصنفاتهم بالقبول.
لا يُمارِي منصف في سعة حفظ العلامة ابن تيمية، وغزارة اطلاعه وإنتاجه، ولكن التقييم العلمي لمكانة عالمٍ لا يُقَاس بذلك فقط، بل بمدى اعتماد المحققين لمصنفاته لتكون عُمدة في التلقي والتأصيل.
والواقع يشهد أن كتب الشيخ ابن تيمية لم يعتمدها الأئمة الراسخون مصدراً منهجياً معتمداً لتلقي العلوم، لا في حق المبتدئين ولا في حق المنتهين؛ فليس له كتاب في الفقه شكَّلَ ركيزةً وعُمدةً في التدريس، ولا له كتاب اعتُمِدَ في أصول الفقه، ولا في علم الحديث، ولا في التزكية والتصوف، ولا في علم التفسير.
الغالب على الإنتاج العلمي للشيخ ابن تيمية هي السجالات، وفتاوى موسعة يُسْتَأْنَس بها في مقام البحث والنظر، بيد أنها لم تكن قط عُمدة منهجية يدور عليها قطبُ العلمِ والتعليم في محاضن الأمة المختلفة.
وأما مقارنة صاحب المنشور العجيبة بين كلام العلامة ابن خلدون في «المقدمة» وكلام الحافظ ابن حجر في «النخبة»، وتفضيله للأول مع ادعاء نقصان عبقرية الثاني؛ فهو خلط صارخ في مناط التخصص، فابن خلدون يتكلم عن علم الحديث تَنْظِيراً عاماً من عدسة الاجتماعِ وفلسفةِ العلومِ، بينما الحافظ ابن حجر في نخبته يضع دستوراً ومِيزَاناً صناعياً لعلم الحديث، وقانوناً للقبول والرد، فمحاولة اسْتِنْقَاص صاحب الصناعة المتخصص الحافظ أمير المؤمنين في الحديث الذي صارت كتُبُهُ قبلة المحدثين، والأئمة الراسخين لصالح المنظر الكلي، قياس مع الفارق يردُّهُ كلُّ بصيرٍ بالعلومِ.
ومن المجازفات التي حواها المنشورُ تَبْخِيس مكانة قاضي القضاة الإمام شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في علم الحديث، مستدلاً على ذلك بما كتبه ابن عبد الهادي في كتابه «الصارم المنكي».
والحق أن الإمام ابن عبد الهادي -مع جلالته وفضله- لا يبلغ قط رتبة الإمام السبكي في سعة العلم والاجتهاد، وكتب السبكي التي غدت عُمدة للعلماء أبلغ شاهد على ذلك.
بل يكفيك شهادة العارفين بالصناعة من نقاد الحديث؛ فهذا الإمام شمس الدين الذهبي يقولُ عن السبكي في «معجم الشيوخ»: «القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء ... وكان صادقا متثبتا خيرا دينا متواضعا حسن السمت، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقرئهما والعربية ويحققها، ثم قرأ بالروايات على تقي الدين الصائغ، وصنف التصانيف المتقنة، وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل».
وقد نقل الإمام التاج السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» عن شيخه الذهبي تَعَجُّبَهُ الشديد من قوة حفظ الإمام التقي السبكي للحديث ونقده له، حتى قال: «والله كنت أعلم أنه فوق ذلك، ولكن ما خطر لي أنه مع التركِ والاشتغالِ بالقضاء يحضرُ من غيرِ تهيئةٍ ويُسندُ هذا الإسناد».
فكيف يُتْرَك قول أئمة الشأن والاستقراء، لتؤخذ الأحكام من كتب الردود والمساجلات التي غالباً ما تطغى فيها حرارة الخصومة؟!
فالانبهار بقامة علمية لا يُسوِّغُ بحالٍ هَضْمَ مقاماتِ الأئمة الذين يفوقون الشيخ علما ونفعا، وإنزال الناس منازلهم من صميم العدلِ وكمال العقل.
د. سيف بن علي العصري
21 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 3 سبتمبر 2026 م