دردشاتٌ حولَ المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيف
هذه خواطرُ، ودردشاتٌ عامَّة، وهي وإن كانت عامةً في تأصيلها العلمي، إلا أنها بالشأن اليمني وما يَعْتَمِلُ فيه من تجاذباتٍ أَلْصَق، ثمَّ إنَّها في الحقيقةِ لا تخصُّ المولدَ فقط، بل ترسمُ نهجاً للتعامل مع سائر النوازل والمستحدثات.
أولاً: لنسأل أنفسنا ما هو «المولد»؟ أي: ما هي الأفعال التي إن قمنا بها سُمِّيَ فعلُنا هذا «احتفالاً بالمولد»؟
لقد أفتى الحافظ ابن حجر العسقلاني بمشروعية المولد، وقال في ضابطه: «ينبغي أن يقتصر فيه على ما يُفهم الشكر لله تعالى؛ من تلاوة، وإطعام، وصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية».
وهنا نتساءل: ماذا لو نقصت من هذه القائمة خصلةٌ أو زادت أخرى، فلو قرأنا السيرة والقرآن وأنشدنا المدائح ولم نُطعم الطعام، أو لو تصدقنا فرحاً ولم ننشد القصائد.. هل يخرج هذا عن كونه «مَولِداً»؟
الجواب الجليُّ: أن هذه المناسبة ليست «عبادةً توقيفية» ذات أركانٍ وشروطٍ محددة، متى سقط ركنٌ منها بطلت كالصلاة! بل هي في حقيقتها «مجلسُ شكرٍ» لله تعالى، يتسع للزيادة والنقصان في مباحات الشكر وتنوعاته.
ثانياً: مَن أول من احتفل بالمولد؟
وللجواب عن ذلك بناءً على ما سبقَ مِنْ أنَّ المولدَ ليس عبادةً منصوصةً لها أركانٌ وسنن، أي: ليس له صورة محددة في الشرع»، فيمكننا أن نقولَ بثقةٍ أنَّ أول من احتفل بالمولد «قبل أن يظهر الاحتفال بهيئته المعروفة في عهد الملك المظفر» هو: صاحب الذكرى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حين سُئل عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم وُلدت فيه». فالصيام صورة من صور الشكر، فلو عبَّر إنسان عن شكره لله في ذلك اليوم بصدقة، أليس هذا احتفاءً واحتفالا بالمناسبة؟
أما الانشغال بأوَّلِ مَنْ رتَّب «هيئة الاحتفال»؛ هل هم العبيديون أم الملك المظفر؟ (وإن كان التاريخ ينص على أنه الملك الصالح المظفر الذي أثنى عليه ابن كثير)، فهو جدال لا طائل تحته فقهاً؛ لأن الأفعال تكتسب مشروعيتها من موافقتها لقواعد الشرع، لا من شخصِ مَن أحدثها.
ثالثاً: هل ارتبط شكرُ هذه المنّةِ بالثاني عشر من ربيع الأول؟
لقد أوسع الشارعُ الحكيمُ في هيئة الشكر وزمانه، فجعل الاحتفاءَ بنعمة إيجاد هذا النبيِّ العظيمِ مُطلقاً وممتداً في أيام العامِ كلِّها.
وقد عهدنا الناسَ يقيمون «الموالد» شكراً لله عند تجددِ النعم؛ كافتتاحِ مسكنٍ، أو رزقٍ بمولود، أو عند اندفاعِ النقم، في سائرِ الأيام والشهور.
فلماذا تُقام في الثاني عشر من ربيع الأول؟
الجواب: لأن هذا التاريخ هو «الأنسب» لاستحضار الذكرى، وليس لأنه «قيدٌ شرعيٌّ تعبدي» لا يصح الشكر إلا فيه!
ولا يضرنا إن ثبت أنه وُلد في هذا اليوم يقينا أو ظناً أو في غيره، فالمقصد هو إظهار الشكر، ويومُ مولده هو الأنسب لإظهار ذلك.
رابعاً: ما موقفُ علماءِ الأمةِ الأثْبَات الراسخين من هذا الاحتفال الذي أظهره الملك الصالح (المظفر)؟
الحقيقة الناصعة أنَّ ملوك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها توارثوا الاحتفال بهذه الذكرى، وتُعقد مجالسهم بحضور أساطين العلم، وقضاة المذاهب الأربعة ومُفْتِيها، وقد نقلنا مرات كلام الإمام شيخ الإسلام المحدث الفقيه المقرئ أبي شامة المقدسي في استحسان المولد، وكلام الأئمة المحدثين كالعراقي وابن حجر والسخاوي والسيوطي والقسطلاني وغيرهم كثير، وما ذكروه من الأدلة المستنبطة على ذلك.
ولعل البعض يعجب أنَّ جمهور الأئمة يقولون بالاستحسان، وحتى نُزِيل عجبك، سنفتح لك بثاً مباشراً على «قناة المقريزي» في الحلقةِ المعنونةِ «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» (3/399)، إذْ يقولُ:
«فإذا كان وقت ذلك ضربت خيمة عظيمة بهذا الحوض، وجلس السلطان وعن يمينه شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصر البلقينيّ، ويليه الشيخ المعتقد إبراهيم برهان الدين بن محمد بن بهادر بن أحمد بن رفاعة المغربيّ، ويليه ولد شيخ الإسلام، ومن دونه وعن يسار السلطان الشيخ أبو عبد الله محمد بن سلامة التوزريّ المغربيّ، ويليه قضاة القضاة الأربعة، وشيوخ العلم، ويجلس الأمراء على بعد من السلطان، فإذا فرغ القرّاء من قراءة القرآن الكريم، قام المنشدون واحداً بعد واحدٍ، وهم يزيدون على عشرين منشداً، فيدفع لكلّ واحد منهم صرّة فيها أربعمائة درهم فضة، ومن كلّ أمير من أمراء الدولة شقة حرير، فإذا انقضت صلاة المغرب مدّت أسمطة الأطعمة الفائقة، فأكلت وحمل ما فيها، ثم مدّت أسمطة الحلوى ... ثم يكون تكميل إنشاد المنشدين ووعظهم إلى نحو ثلث الليل، فإذا فرغ المنشدون قام القضاة وانصرفوا».
نغلقُ بثَّ «قناة المقريزي»، ونستمع إلى خبرٍ من إمامٍ محدثٍ راسخٍ «الحافظ شمس الدين السخاوي»، وهو يصفُ لنا حالَ العالم الإسلامي، فيقول عن المولد: «لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم». سبل الهدى والرشاد (1/ 362).
ولم يمنع ذلك إلا أفرادٌ قِلَّةٌ كالشاطبي، وابن تيمية، والفاكهاني، وابن الحاج (مع أن لابن الحاج كلاماً يحث فيه على الصدقة وشكر الله إذا دخل ربيع الأول، وهو عين الاحتفال!). ويبقى السواد الأعظم وجمهور الأمة على إقرار هذه المجالس واستحسانها منذُ ظهرت.
خامساً: كيف نتعامل مع الأخطاء والمفاسد التي قد تُرتكب في المولد؟
يقول المانعون: إن الذين يحتفلون بالمولد يأخذون أموال الناس بالإجبار، أو قد يقع في بعض البلدان اختلاطٌ بين الرجال والنساء أو مخالفات شرعية.
ونقول: هذه منكراتٌ نُنكرها معكم بملء أفواهنا! ولكن.. متى كان علاجُ الانحراف في التطبيق بهدم الأصل؟
أَغْلِقوا أنتم باب المفاسد، واقطعوا الطريق على الاستغلال، وأَظْهِروا «الاحتفال» بالصورة الشرعية المُرضية عندكم.
اعقدوا المجالس لسيرة المصطفى، وأنشدوا المدائح كما فعل حَسَّان، واجلسوا لتحميد الله كما فعل الصحابة حين سألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أجلسكم؟» فقالوا: «جلسنا نحمد الله على ما مَنَّ علينا بك».
أما المنع الكلي بحجة أخطاء البعض، فهو مسلكٌ يضرُّ المانع، ويسيء لسُمْعته، إذْ يظهر في موقفِ الجفاء، ولا يضرُّ الاحتفال ولا المحتفلين، فإن هذه المناسبة بفضل الله يتألق نورها مع السنوات ... اسمع مني: احتفلوا هم بطريقتهم، التي ترى فيها مخالفات، احتفل أنت بطريقتك الشرعية المنضبطة التي لا مخالفات فيها.
سادساً: دعونا من تكرار تلك الشبهة الساقطة علمياً، وهي قولكم: «كيف تفرحون في 12 ربيع الأول وهو يوم وفاته إجماعاً؟!». فهذا زعمٌ باطل؛ فإن يوم مولده هو الذي اشتهر عند الأكثرين أنه في الثاني عشر، أما وفاته صلى الله عليه وآله وسلم فقد قرر المحققون أنه من المُحَال حسابياً أن تكون في 12 ربيع الأول، ولا إجماع في ذلك قط، بل المحققون من الأئمة على خلاف ذلك، كما حققنا ذلك مراراً في منشورات سابقة.
ثم لو فرضنا أن يوم ولادته هو بعينه يوم وفاته، فإن ذلك لا يمنعنا من الاحتفال بمولده الشريف؛ فإننا مأمورون بشكر الله تعالى على نعمه، والاستمرار في هذا الشكر، ودوام هذا الشكر. ولَسْنَا مأمورين بدوام العزاء، ولا بتجديد الأحزان، ولا بتكرار المَآتِم.
ودعونا نختم هذه الدردشات بالوقوف مع شبهةٍ طالما تكرَّرَ الاحتجاج بها، وسؤالٍ يطرحه المانعون يظنّونه حُجَّةً مفحمة، وهو في ميزان العلم والفقه أَوْهَى من بيت العنكبوت!
يسألونك بتكلُّفٍ: هل الاحتفال بالمولد النبوي عبادة أم لا؟ فإن قلتم عبادة؛ فهل علمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم جهلها؟ إلى آخر سلسلة الأسئلة والإلزامات المتهافتة التي لا تخفى على ذي لُبٍّ.
والحقيقةُ أنَّ طارحَ هذا السؤال لم يتعامل مع المسألة تعاملاً فقهياً، وأبى أن ينظر إلى هذا القضية بعين الفقه وميزان قواعد الشريعة، ليرى هل هو موافقٌ لمقاصد الشرع أم مخالفٌ لها.
إذ لا أحد من علماء الأمة قاطبةً يَدَّعي أن «الاحتفال بالمولد» هو «عبادةٌ مستقلةٌ منصوصةٌ لذاتها، لها أركانٌ وشروطٌ وسنن» كالصلاة والصيام، حتى يُوردوا علينا هذا الإلزام العجيب، ويسألوا: هل علمها أم جهلها!
بل المولد كما أسلفنا هو مجرد «وعاءٍ وصورةٍ» لاجتماع طائفةٍ من القُربات والمندوبات الشرعية المقطوع بمشروعيتها في الكتاب والسنة؛ كقراءة القرآن، وإطعام الطعام، والصدقة، والصلاة والإنشاد في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإظهار الفرح بفضله ورحمته.
فإذا سألوا: هل علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأمور أم جهلها؟
قلنا: بل علمها يقيناً، وعَلَّمَنا إياها، وشرعها لنا! فهو الذي أمرنا بقراءة القرآن، وهو الذي حثَّنا على إطعام الطعام، وهو الذي أقرَّ إنشاد الشعر في مدحه والذَّبّ عنه، وهو الذي شرع لنا الفرح بفضل الله وبرحمته.
أما «الهيئة» المخصوصة باجتماع الناس على هذه المندوبات مجتمعةً في وقتٍ معين؛ فهي وسيلةٌ مباحةٌ لإظهار الشكر، تُعرَض تفاصيلها على قواعد الشرع المتبعة؛ فما كان فيها من حقٍّ أُقِرَّ، وما داخلها من باطلٍ أو محظورٍ رُدَّ وأُنكر.
فهذا هو النظر الفقهي الذي تتسع له أصول الشريعة؛ فليس كل ما انتفى وجوده بهيئته المركبة في العهد الأول يُعَدُّ باطلاً، ما دام مستنداً إلى أصولٍ شرعيةٍ صحيحة.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
15 ربيع الأول 1448 هـ ، 28 أغسطس 2026 م