تساؤلات عن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف:

المسألة الأولى: هل حُدد يوم المولد النبوي الشريف بيقين قاطع كاليوم الذي نجَّى الله فيه موسى عليه السلام؟ والظاهر تعدد الأقوال في تاريخه وإن اشتهر الثاني عشر من ربيع الأول؛ وعليه فإن قياس الاحتفال بيوم المولد على اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم بيوم عاشوراء غير مطرد ولا منطبق.

والجواب: إن مبنى القياس ومناطه إنما هو «العلة»، وعلة صيام عاشوراء هي «الشكر» لله تعالى على نعمائه.

وبناءً على هذا الأصل؛ فلو اجتمع المرء بإخوانه وخلانه في أي يوم من أيام الحَوْل، وعقدوا مجلساً وسَمَّوْهُ «مولداً» أو «مجلس سيرة»، فتُلِيَ فيه آيٌ من الذكر الحكيم، وعُطِّر بذكر السيرة النبوية العطرة، وأُنشدت فيه قصائد المديح النبوي، ثم أُكْرِم الضيوف بما تيسر من القِرَى؛ فأي منكر أو محذور في هذا الصنيع؟!

المسألة الثانية: مضاهاة المولد للأعياد الشرعية، فإنَّ ما يشهده المولد من مظاهر الاحتفاء والاهتمام يفوق ما نراه في المناسبات التي وردت فيها نصوص قطعية كالأعياد، حتى غدا المولد يضاهي العيد.

والجواب: إن ردَّ هذا الإيراد يفتقر إلى تحرير مصطلح «العيد»، فهو دائر بين الاستعمال الشرعي، والاستعمال اللغوي:

المعنى اللغوي: مشتق من العَوْد والتكرار، وهذا يصدق على كل مناسبة دينية أو وطنية تتكرر دورتها؛ كشهر رمضان، وذكرى الهجرة، وموقعة بدر.

ففي ميقاتها من كل عام، تنشط ألسنة الخطباء والعلماء لاستخلاص العبر واستذكار الدروس، وقد تقيم بعض الجماعات محافل لذلك، والاحتفاء بالمولد مندرج في هذا الباب.

المعنى الشرعي: هو مناسبة أناط الشارع الحكيم بها أحكاماً مخصوصة؛ فأوجب فيها سنناً، وحرّم أفعالاً، واستحب أخرى؛ كحرمة الصيام في العيدين، ومشروعية صلاة العيد، وزكاة الفطر، ونسك الأضحية. وهذا المقام قاصر على الأعياد الشرعية التي قررها الوحي، وإن كان الاحتفاء بغيرها جائزاً، ولا يدخل المولد النبوي في مسمى العيد بهذا الاعتبار الشرعي.

خلاصة القول في هذا: من غفل عن التفرقة بين العيد بمعناه اللغوي العرفي، والعيد بمعناه الشرعي التعبدي، وخلط بينهما؛ فقد زلّ زللاً بعيداً.

المسألة الثالثة: ما يلابس المولد من منكرات واعتقادات فاسدة، فإن هناك أموراً تصاحب الموالد محرمة شرعاً؛ كالاختلاط، وإيذاء الناس في طرقاتهم، وافتراش المساجد، واستعمال المعازف والرقص، وكذا اعتقاد وجوب إقامته، وشد الرحال للاحتفال، وما يفعله بعض الناس من جباية لأموال المسلمين بالإكراه.

والجواب: ينتظم في نقاطٍ ثلاث:

الأولى: ما يطرأ على هذه المجالس من أفعال محرمة أو مكروهة، فهو مردود مذموم، والواجب شرعاً إنكاره والتحذير منه وإبطاله، ولا ينسحب ذم الطارئ المحدث على أصل الفعل الجائز.

الثانية: اعتقاد العوام وجوب المولد، جهلٌ يُعالج بنور العلم والتوجيه، على أنه أمر في غاية الندور.

الثالثة: في شد الرحال: إن النهي النبوي في مسألة شد الرحال منصبٌّ على إنشاء السفر لقصد تعظيم بقعة المسجد لذاتها. أما إن كان الباعث على السفر والانتقال من بلدة إلى أخرى هو حضور مجلس ذكر، أو سماع علم ومحاضرة تُقام في ذلك المسجد المخصوص؛ فهو جائز لا غبار عليه باتفاق أهل العلم.