بين التفويضِ المُحَرَّر في «القول التمام» والتجهيلِ المُتَوَهَّم في «مقالة التفويض»
صدر كتابي «القول التمام بإثبات التفويض مذهبا للسلف الكرام»، قبل سنوات، وقدَّمَ له أعلامُ العالم الإسلامي كما تجدونه في الطبعة الأولى والثانية، وحرَّرتُ فيه مذهبَ سلف، ونقلتُ كلامَ الأئمة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وبيَّنتُ فيه بالدليل الساطع حقيقةَ «التفويض» الذي دانوا به؛ وهو خلاصةٌ شريفة قوامها: نفيُ المعنى الباطل الممتنع، مع الإمساك عن تعيين واحدٍ من المعاني الممكنة.
فإذا وردت لفظة «اليد» – على سبيل المثال – فإننا نقطع باستحالة المعنى الحقيقي المعهود في حقنا «وهو الجارحة والجزء المركب»، إذ القول به تجسيمٌ صريح تأباه قواطع الأدلة.
ولما كانت اللفظة في لسان العرب تحتمل معانيَ أُخر، فإننا نُمسك عن تعيين واحدٍ منها بعينه، ونفوض علم ذلك إلى قائلهِ سبحانه، وهذا هو التفويض المُحَرَّر السالم من الآفات.
وقد طالعتُ كتابَ «مقالة التفويض»، ورام صاحبه الردَّ على ما سطرناه، فسوَّد أكثر من ستمائة صفحة في نقض مذهبٍ لا نعرفه، ولم نقله، ولم يقل به أئمة السلف!
لقد تجلَّى «أسُّ الداء» في هذا الكتاب في آفةٍ منهجيةٍ؛ ألا وهي: الخطأ في تصوُّر محلِّ النزاع. فقد توهم الكاتب -ولا أدري ما الذي قاده إلى هذا الوهم- أن التفويض يعني «الجهل بمعاني الآيات القرآنية»، وأن الله خاطبنا بكلام لا طائل تحته ولا معنى له! مع أنَّ هذا الوهم قد كشفتُ زيفَهُ في كتابي، وبناءً على هذا الفهم السقيم والتصور الخاطئ، انطلق يفرِّع الإلزامات، ويشنِّع علينا بأننا ننسب الجهل إلى مقام النبوة الأسمى، ونُجهِّل الصحابة والتابعين.. إلى آخر تلك السلسلة من الإلزامات التي هي في حقيقتها تهاويلٌ مبنيةٌ على فهمه هو، لا على ما سطرناه نحن.
والقاعدة عند أهل النظر والتحقيق أن: «الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره»، فلما كان الأساس الذي بنى عليه الكاتب وهماً باطلاً، تهاوت كلُّ الإلزامات التي شيَّدها عليه؛ لأنه ببساطة يحاكمنا إلى فهمه الكاسد للتفويض، لا إلى حقيقة التفويض الذي أوضحناه في «القول التمام» غاية الإيضاح.
إننا لا نقول إن نصوص الصفات «لا معنى لها»، حاشا وكلا! بل لها معانٍ معلومة في لغة العرب، ولكننا ندرك قُصور عقولنا عن الجزم بتعيين مراد الله منها على التفصيل، بعد نفي المعنى الظاهر الممتنع.
وفرقٌ عظيم، وبونٌ شاسع، بين «عدم العلم بالمعنى المراد على التعيين» والقول بأن النص لا معنى له أصلاً.
فيا ليته إذ تصدَّى للردِّ، التزم بأدب البحث وأنصف خصمه في حكاية مذهبه، بدلاً من مصارعة طواحين الهواء، وبناء الأحكام على الأوهام! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.