السؤال

شيخنا الكريم، أعيش في بيت مشترك مع إخوتي الثلاثة، وأخي الأكبر متزوج من امرأة لها مطلق الحرية في البيت، حتى إن زوج أختها يدخل إلى البيت دون استئذان من أحد، وقد تناصحت مع أخي حول هذا الأمر فحدث بيننا شجار؛ إذ لا أريد إحداث قطيعة مع إخوتي، لكني في الوقت ذاته مقبل على الزواج من امرأة متدينة، وأخشى عليها وعلى مستقبلي من هذه التجاوزات. فهل يحق لي شرعاً منع هذا الشخص أو طرده إذا تكرر منه الدخول بغير إذن؟ أرشدونا، جزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الغيرة على المحارم من شِيَم الكرام ومحاسن خِصَال الإيمان، ومسألة دخول الأجانب إلى البيوت بغير إذنٍ تُعدُّ من أعظم المفاسد التي جاءت الشريعة المطهرة بسد ذرائعها وحسم مادتها. والجواب عما سألت عنه يتبين في النقاط الآتية:
أولاً: لا يجوز شرعاً لأي شخص أجنبي كزوج أخت الزوجة أن يدخل بيتاً ليس له، إلا بعد الاستئذان المسبق من أهله، وأن يكون الدخول في حال عدم وجود النساء الأجنبيات عنه، أو استتارهنَّ بالستر الشرعي الكامل.
وهذا أدب قرآني وتوجيه نبوي، فقد أخرج الشيخان عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ قال:
«إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت».
والحَمْوُ هو قريب الزوج، فكيف بقريب الزوجة؟!
ثانياً: الاستئذان شُرِّع من أجل البصر، ولذا عَظَّمَ الشرعُ أمرَ الاستئذان حتى جعل النظر خِلْسَةً بغير إذنٍ موجباً للعقوبة، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ قال لمن اطلع في جُحْر بابه: « لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر».
وفي هذا المعنى يقول الإمام القرطبي رحمه الله في «الجامع لأحكام القرآن» عند تفسير آية الاستئذان: «سواء كان الباب مغلقاً أو مفتوحاً؛ لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه، بل يجب عليه أن يأتي الباب ويحاول الإذن على صفة لا يطلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه... فقد روى علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: مَنْ مَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنْ قَاعَةِ بَيْتٍ فَقَدْ فَسَقَ».
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ أنه قال:
«لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذنٍ، فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناحٌ».
فإذا كانت هذه الأحاديث تُرَهِّب وتنهى عن مجرد النظر إلى داخل الدار بغير إذن، فكيف بمن يقتحم الدار عليهم وفيها من النساء من لا يحل له النظر إليهن؟!
ثالثاً: بناءً على ما سبق، فإن من حقك الشرعي الأصيل باعتبارك شريكاً في سُكْنَى هذا البيت أن تمنع هذا الرجل وغيره من الدخول على أهلك ومحارمك بغير إذن، ولا يُعد منعك إياه تعدياً، بل هو إحقاق للحق، ودفع للباطل، وحماية لعِرْضك، خاصة وأنك مقبل على بناء أسرة وتريد صيانة زوجتك.
ونوصيك بأن تعالج هذا الأمر مع إخوانك بالحكمة والموعظة الحسنة ما استطعت، وبيِّن لهم حكم الشرع المطهر واعرض عليهم هذه الفتوى، فإن المسلم الحق إذا علم حكم الله ورسوله لم يتردد لحظة في الامتثال والانقياد، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
10 محرم 1427هـ، 9 فبراير 2006م.