السؤال

شيخنا الكريم، رجلٌ ساءت أحواله المادية وانتهى عقد إيجار منزله، فطلب من زوجته الانتقال للعيش مؤقتاً في بيت عائلته حتى تتحسن ظروفه، فرفضت وخرجت إلى بيت أهلها مطالبة بمسكن مستقل أو الطلاق. وقد مضى على خروجها أشهر ترفض فيها الصلح، وتخرج للعمل دون إذن زوجها وعلمه. فهل تُعد هذه الزوجة ناشزاً بسلوكها هذا وتسقط حقوقها؟ وهل يحق للزوج إبقاءها على ذمته دون طلاق حتى تطلب هي الخلع وتتنازل عن حقوقها، مع نيته في الزواج بأخرى؟ أفتونا أحسن الله إليكم.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، وبعد:
فإن الحياة الزوجية مبناها على المودة والرحمة والمواساة في السراء والضراء، غير أن الشريعة المطهرة قد كفلت لكل طرف حقوقه التي لا تسقط إلا برضاه.
والجواب على ما ورد في المسألة ينتظم في النقاط التالية:
أولاً: حق الزوجة في المسكن المستقل، فمن المُقَرَّر شرعاً أن من حق الزوجة على زوجها أن يوفر لها مسكناً مستقلاً تأمن فيه على نفسها ومتاعها، ولا يشاركها فيه أحد من أهل الزوج إلا برضاها.
فإن ضاقت بالزوج الحال وعجز عن توفير هذا المسكن، فتنازلت الزوجة عن حقها وساكنت أهله إعانةً له في أزمته، فهي مأجورة ومشكورة.
أما إن تمسكت بحقها ورفضت العيش مع أهله، فإنها لا تُعد بذلك ناشزاً ولا عاصية، لأنها تطالب بحق أصيل كفله لها الشرع.
ثانياً: المراد بالمسكن: ما يليق بالمرأة من دار وحجرة مستقلة بمرافقها من مطبخ وخلاء، وعليه؛ فإن استطاع الزوج أن يوفر لها حجرةً أو شقةً ذات مرافق مستقلة كالمطبخ والخلاء داخل بيت عائلته، فقد أدى ما عليه ووفر المسكن المستقل، ولا يحق لها الرفض حينئذ.
وبما أن امتناع الزوجة سببه عجز الزوج عن توفير المسكن المستقل، فإنها تستحق النفقة والكسوة عن الفترة الماضية؛ لأنها لم تمتنع عن زوجها بغير عذر، بل التقصير حاصل من جهة الزوج لعدم توفير السكن.
وعليه؛ لا يجوز للزوج شرعاً أن يمنعها حقوقها، أو يعلِّقها ويُضارَّها ليضطرها إلى طلب الخلع والتنازل عن مؤخر صداقها وحقوقها؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
ثالثاً: إذا زال العذر، وقام الزوج بتوفير المسكن المستقل وفق الضوابط المذكورة أعلاه، ثم دعاها إليه فأَبَت، وأصرت على البقاء في بيت أهلها، والخروج للعمل دون إذنه، وطلبِ الطلاق لغير بأس، فإنها تصير بذلك ناشزاً تسقط نفقتها. وفي هذه الحالة فقط، يحق للزوج الامتناع عن طلاقها حتى تفتدي نفسها وتختلع منه برَدِّ ما أعطاها من المهر.
أما تزوجه بامرأة أخرى مع بقاء الأولى على عصمته، فهو مباح إن أَمِنَ على نفسه الجور وكان قادراً على النفقة وتوفير السكن المستقل للثانية، ولا إثم عليه في ذلك، شريطة ألا يكون غرضه الإضرار بالأولى. والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
30 ذو الحجة 1426 هـ الموافق 30 يناير 2006 م