السؤال
السلام عليكم فضيلة الشيخ، انتشر في الآونة الأخيرة القول بجواز الدعاء في صلاة النافلة بغير اللغة العربية، كأن يدعو المصلي في سجوده في قيام الليل بلغته التي يتكلم بها وهو يحسن العربية. فما حكم الدعاء بغير العربية في غير الفريضة؟ وما منشأ القول بجوازه؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالجواب على مذهب السادة الشافعية، وهو أن الأصحاب لم يفرّقوا في هذه المسألة بين الفريضة والنافلة، وإنما فرّقوا بين القادر على العربية والعاجز عنها، وبين الدعاء المأثور والدعاء الذي يخترعه المصلي من عنده؛ فما ثبت للفريضة من ذلك ثبت للنافلة، لأن النافلة صلاة تشترط لها شروط الصلاة، ويبطلها ما يبطل الفريضة من الكلام الأجنبي عنها.
وبيان ذلك أن الأذكار التي في الصلاة -ومنها الفاتحة وسائر ما يُتلى فيها من القرآن- ليست في الترجمة على رتبة واحدة، قال الإمام النووي في «المجموع»: «أما الفاتحة وغيرها من القرآن فلا يجوز ترجمته بالعجمية بلا خلاف، لأنه يذهب الإعجاز، بخلاف التكبير وغيره فإنه لا إعجاز فيه. وأما تكبيرة الإحرام والتشهد الأخير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه وعلى الآل إذا أوجبناها فيجوز ترجمتها للعاجز عن العربية، ولا يجوز للقادر. وأما ما عدا الألفاظ الواجبة فقسمان: دعاء وغيره» (المجموع ٣/٢٩٩). فالقرآن لا يُترجم في الصلاة بحال، والأذكار الواجبة لا تُترجم إلا للعاجز، وأمّا الدعاء فهو موضع السؤال.
فأمّا الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة، فقد حكى فيه الإمام النووي ثلاثة أوجه، ثم قال: «أصحها تجوز الترجمة للعاجز عن العربية، ولا تجوز للقادر، فإن ترجم بطلت صلاته» (المجموع ٣/٣٠٠). وعلى هذا جرى في «المنهاج»، فقال: «ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجز لا القادر في الأصح». وبيّن ابن حجر في «تحفة المحتاج» أن المراد بالدعاء هنا «المأثور عنه صلى الله عليه وآله وسلم في محل من الصلاة»، وأن العاجز يترجم عنه «لحيازة الفضيلة»، ثم قال: «ولا العاجز عن غير المأثور منهما، فلا يجوز له أن يخترع غيرهما ويترجم عنه جزمًا، فتبطل به صلاته، ولا القادر على مأثورهما، فلا يجوز له الترجمة عنهما، وتبطل بها صلاته في الأصح، إذ لا حاجة إليها حينئذ» (تحفة المحتاج ٢/٨٩).
وأمّا الدعاء الذي يخترعه المصلي من عنده، فإن دعا به بالعربية جاز، وإن دعا به بغيرها لم يجز وبطلت صلاته، قال النووي: «ولا يجوز أن يخترع دعوة غير مأثورة ويأتي بها بالعجمية بلا خلاف، وتبطل بها الصلاة، بخلاف ما لو اخترع دعوة بالعربية فإنه يجوز عندنا بلا خلاف» (المجموع ٣/٣٠٠).
وإذا كان ذلك كذلك، فمن كان يحسن العربية لم يجز له أن يدعو في صلاته بغيرها، فريضة كانت أو نافلة، فإن فعل بطلت صلاته.
ومن كان لا يحسنها جاز له أن يدعو في صلاته بترجمة الأدعية المأثورة، دون أن يخترع دعاءً من عنده بلسانه، وعليه أن يتعلم من الأدعية العربية القصيرة ما يدعو به، فإنها سهلة الحفظ قريبة المعنى. وأمّا الدعاء بغير العربية خارج الصلاة فجائز، فإن الله تعالى يجيب الداعي بأي لسان دعاه.
وأمّا منشأ القول بجواز ذلك في النافلة خاصة، فلم أجده في كتب المذاهب الأربعة المعتمدة، وأقرب ما وقفت عليه أن حربًا الكرماني سأل إسحاق بن راهويه عن رجل أمّي دعا في صلاة الفريضة بالفارسية، فقال: «صلاته فاسدة»، ثم سأله عن الرجل يسجد في التطوع ويدعو بالفارسية، فقال: «إذا لم يحسن شيئًا جاز، ورخّص فيه» (الجامع لعلوم الإمام أحمد ٢١/١٥٢). فهذه رخصة من إسحاق للعاجز الذي لا يحسن شيئًا من العربية، لا للقادر عليها. ولعل القائلين بالجواز في النافلة نظروا إلى أن النافلة يُتسامح فيها بما لا يُتسامح به في الفريضة، كالجلوس فيها مع القدرة على القيام، وكصلاتها على الراحلة في السفر. وهذا قياس لا يستقيم، لأن ما تسامح فيه الشرع في النافلة جاء به النص في أمور مخصوصة، وليس منها الكلام في الصلاة بغير ألفاظها المشروعة.
وأمّا سائر المذاهب فلم يفرّق أحد منها كذلك بين الفريضة والنافلة. فالحنفية يمنعون من الدعاء بغير العربية في الصلاة، قال ابن عابدين: «ولا يبعد أن يكون الدعاء بالفارسية مكروهًا تحريمًا في الصلاة، وتنزيهًا خارجها» (رد المحتار ١/٥٢١). والمالكية أوسع المذاهب فيه، فالمعتمد عندهم أنه مكروه للقادر على العربية ولا تبطل به الصلاة (الفواكه الدواني ١/١٧٦)، وخفَّف فيه مالك للأعجمي الذي لا يفصح بالعربية (التوضيح لخليل ١/٣٧٠). والحنابلة أشدُّها، فلا يجوز عندهم أن يترجم المصلي ذكرًا مستحبًّا بغير العربية ولو عجز عنها، فإن فعل بطلت صلاته (كشاف القناع ١/٣٣١).
والذي ننصح به الأخ السائل وغيره أن يدعو في صلاته فرضًا ونفلًا بالعربية، ولو بالقليل من جوامع الدعاء النبوي، ويجعل ما شاء من دعائه بلسانه خارج الصلاة، كبعد السلام منها.
والله تعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
٢٤ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ — ٤ نوفمبر ٢٠٢٦م