السؤال
ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء؟ وهل ثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن أصحابه والسلف؟ وما كلام المحدثين في الأحاديث الواردة فيه؟ وما مذاهب الفقهاء فيه، خارج الصلاة وفي دعاء القنوت داخلها؟ فإن بعض الناس يعدُّه بدعةً، وينكر على فاعله.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه المسألة من آداب الدعاء التي اختلف فيها أهل العلم قديمًا، ولا يتحرر الجواب عنها إلا بتمييز أمرين: أصل رفع اليدين في الدعاء، وهو ثابت بأحاديث صحيحة كثيرة، ومسح الوجه بهما بعد الفراغ منه، وهو موضع النظر. ثم بتمييز موضعين: الدعاء خارج الصلاة، والدعاء في الصلاة كالقنوت؛ فإن أكثر الخلاف المنقول إنما هو في الموضع الثاني.
المسألة الأولى: في رفع اليدين في الدعاء.
فأمّا رفع اليدين فسنةٌ ثابتةٌ، روى أبو داود عن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا» [سنن أبي داود برقم ١٤٨٨]. وأمَّا حديث أنس رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه»، فقد قال الإمام النووي في شرحه: «هذا الحديث يُوهم ظاهرُهُ أنهُ لم يرفع صلى الله عليه وآله وسلم إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر مِن أنْ تُحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب»، ثم تأوَّلَهُ على أنه لم يرفع الرفع البليغ إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره رفع، وقد رآه غيره، فيقدَّم المثبتون [شرح النووي على مسلم ٦/ ١٩٠]. فليس في أصل الرفع خلاف يُعتدُّ به، وإنما الخلاف فيما بعده.
المسألة الثانية: في الأحاديث والآثار الواردة في مسح الوجه.
فأمَّا المرفوع فأشهره حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطَّهما حتى يمسح بهما وجهه»، وفي رواية محمد بن المثنى: «لم يردَّهُما حتى يمسح بهما وجهه»، رواه الترمذي وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به، وهو قليل الحديث، وقد حدّث عنه الناس» [سنن الترمذي برقم ٣٣٨٦].
ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم»، رواه أبو داود من طريق عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمَّن حدّثه عن محمد بن كعب القرظي، ثم قال: «رُوي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضًا» [سنن أبي داود ٢/ ٦٠٧–٦٠٨، رقم ١٤٨٥]. ورواه الحاكم من طريق صالح بن حسان عن محمد بن كعب، وصالح هذا ذكره ابن حبان في الضعفاء [التلخيص الحبير ٢/ ٧١٣–٧١٤].
ومنها حديث السائب بن يزيد عن أبيه: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه»، رواه أبو داود من طريق ابن لهيعة عن حفص بن هاشم بن عتبة [سنن أبي داود برقم ١٤٩٢].
ومنها ما ذكره الحافظ السخاوي من حديث ابن عمر: «ما مدَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه في دعاء قط فقبضهما حتى يمسح بهما وجهه»، وحديث الوليد بن عبد الله معضلًا: «إذا رفع أحدكم يديه يدعو فإن الله جاعل فيهما بركة ورحمة، فإذا فرغ من دعائه فليمسح بهما وجهه»، وعزاهما إلى الطبراني [الأجوبة المرضية ١/ ٢٧٩].
ومن المراسيل ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه عند صدره في الدعاء، ثم يمسح بهما وجهه» [فض الوعاء للسيوطي ص ٩٦، رقم ٥٢].
وأمّا الآثار فروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي نعيم وهب قال: «رأيت ابن عمر وابن الزبير يدعوان، يديران بالراحتين على الوجه» [الأدب المفرد ص ٢١٤، رقم ٦٠٩]. وروى الفريابي عن إسحاق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان قال: «رأيت أبا كعب صاحب الحرير يدعو رافعًا يديه، فإذا فرغ مسح بهما وجهه، فقلت له: من رأيت يفعل هذا؟ قال: الحسن بن أبي الحسن»، قال السيوطي: «إسناده حسن» [فض الوعاء ص ١٠١–١٠٢، رقم ٥٩]. وحُكي عن الإمام أحمد أنه قال: «في الصلاة لا، ولا بأس به في غير الصلاة» [الإشراف لابن المنذر ٢/ ٢٧٤].
المسألة الثالثة: في كلام المحدثين، وأنه من باب الفضائل.
فأمّا أفراد هذه الأحاديث فضعيفة عند المحدثين؛ قال الإمام النووي في الأذكار بعد حديثي عمر وابن عباس: «وفي إسناد كل واحد ضعف»، ونبَّهَ على أن ما نقله الحافظ عبد الحق عن الترمذي من تصحيح حديث عمر ليس في النسخ المعتمدة، وإنما فيها: «حديث غريب» [الأذكار ص ٣٩٨–٣٩٩]. وقال في خلاصة الأحكام في حديث عمر: «فهو حديث ضعيف» [خلاصة الأحكام ١/ ٤٦٢].
ثم اختلفوا في حكم مجموعها؛ فقال الحافظ ابن حجر في حديث عمر: «وله شواهد، منها حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره، ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن» [بلوغ المرام مع سبل السلام، ط. هراس، صفحة الملف ٨٤١ في الجامع].
وقال الحافظ السخاوي: «ومفرداتها وإن كانت ضعيفة فبمجموعها ثبتت السنية» [الأجوبة المرضية ٣/ ١٠٧٢]. وقال الصنعاني: «وفيه دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء»، وذكر في مناسبته أن الله تعالى لما كان لا يردُّهما صفرًا فكأن الرحمة أصابتهما، فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم [سبل السلام، الموضع نفسه]. ونقل المناوي عن الحليمي أن الداعي يفعل ذلك «تفاؤلًا وتيمنًا أن كفيه ملئتا خيرًا فأفاض منه على وجهه» [فيض القدير ٥/ ١٣٣].
وإذا كان ذلك كذلك، فإن هذه المسألة ليست من مسائل الحلال والحرام، وإنما هي من آداب الدعاء وفضائل الأعمال، وهذا باب يُتسامح فيه بالحديث الضعيف.
وقد نقل الإمام النووي الاتفاق على ذلك فقال: «وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال» [الأربعون النووية ص ٤٢–٤٣].
وقال في مقدمة الأذكار: «قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا. وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يُعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن» [الأذكار ص ٨].
ويلحق بالفضائل والترغيب والترهيب ما كان في معناها من المناقب والشمائل والآداب. ولذلك عقد الإمام النووي في الأذكار بابًا ترجمه بقوله: «باب رفع اليدين في الدعاء ثم مسح الوجه بهما»، وأورد فيه حديثي عمر وابن عباس مع تصريحه بضعفهما [الأذكار ص ٣٩٨]، جريًا على القاعدة التي قرَّرها في أول كتابه.
وعلى هذا جرى الملا علي القاري فيما نقله عن ابن حجر أن «ضعف حديث المسح لا يؤثر، لما تقرر أن الضعيف حجة في الفضائل اتفاقًا». [مرقاة المفاتيح ٤/ ١٥٣٢].
المسألة الرابعة: في معتمد المذاهب الأربعة.
فأمّا الحنفية، فقد نصّ الشرنبلالي في مراقي الفلاح على أنَّ المصلِّين يدعون بعد الصلاة «رافعي أيديهم»، «ثم يمسحون بها وجوههم في آخره»، واستدل بحديثي ابن عباس وعمر [مراقي الفلاح ص ١٢٠]. وقال الطحطاوي في حاشيته: «الحكمة في ذلك عود البركة عليه وسرايتها إلى باطنه، وتفاؤلًا بدفع البلاء وحصول العطاء»، ونبّه على أنه لا يمسح بيد واحدة، وأنه إذا لم يرفع يديه في الدعاء لم يمسح بهما، وقال: «وهو قيد حسن» [حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣١٨]. وفي الفتاوى الهندية: «مسح الوجه باليدين إذا فرغ من الدعاء، قيل: ليس بشيء، وكثير من مشايخنا رحمهم الله تعالى اعتبروا ذلك، وهو الصحيح، وبه ورد الخبر» [الفتاوى الهندية ٥/ ٣١٨].
وأمَّا المالكية، فقد قال النفراوي في شرح الرسالة: «واختُلف هل يرفع يديه عند الدعاء أو لا؟ وعلى الرفع فهل يمسح وجهه بهما عقبه أم لا؟ والذي في الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه ﷺ كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه، فيفيد أنه كان يرفعهما ويمسح بهما وجهه» [الفواكه الدواني ٢/ ٣٣٠]. ثم جزم في الموضع الآخر فقال: «واختُلف في بسط اليد، ولا بأس به لأنه أمارة الذل والسكينة، ويستحب أن يمسح وجهه بيديه عقبه كما كان يفعله عليه الصلاة والسلام» [الفواكه الدواني ٢/ ٣٣٥].
وأمّا الشافعية، ففي قنوت الصلاة قال الإمام النووي: إن قلنا لا يرفع يديه لم يشرع المسح بلا خلاف، وإن قلنا يرفع ففيه وجهان: أشهرهما أنه يستحب، وممن قطع به القاضي أبو الطيب والشيخ أبو محمد الجويني وابن الصباغ والمتولي والشيخ نصر والغزالي وصاحب البيان، والثاني: لا يمسح، «وهذا هو الصحيح، صحّحه البيهقي والرافعي وآخرون من المحققين».
وقال: «والحاصل لأصحابنا ثلاثة أوجه: الصحيح يستحب رفع يديه دون مسح الوجه، والثاني لا يستحبان، والثالث يستحبان، وأما غير الوجه من الصدر وغيره فاتفق أصحابنا على أنه لا يستحب» [المجموع ٣/ ٥٠٠–٥٠١].
وأمّا خارج الصلاة فقد قال الخطيب الشربيني: «وأما مسح الوجه عقب الدعاء خارج الصلاة ... فقد ورد في المسح بهما أخبار بعضها غريب وبعضها ضعيف، ومع هذا جزم في التحقيق باستحبابه» [مغني المحتاج ١/ ٣٧٠].
وقال الشمس الرملي: «وباستحبابه خارجها جَزَمَ في التحقيق» [نهاية المحتاج ١/ ٥٠٦]، والتحقيق كتاب الإمام النووي. فالمعتمد عند الشافعية أنه يستحب خارج الصلاة، ولا يسن في القنوت.
وأمَّا الحنابلة، فقد قال المرداوي في الإنصاف: «يمسح وجهه بيديه خارج الصلاة إذا دعا، عند الإمام أحمد، ذكره الآجري وغيره». وأمَّا في القنوت ففيه روايتان، قال: «إحداهما: يمسح، وهو المذهب، فعله الإمام أحمد»، وذكر أن المجد قال: «هذا أقوى الروايتين»، وأنه صححه الموفق والشارح وقدّمه في الفروع والمحرر وغيرهما، والرواية الثانية لا يمسح، اختارها الآجري [الإنصاف ٢/ ١٧٢–١٧٣]. وعلى الأولى قال البهوتي في القنوت: «ويمسح وجهه بيديه» [كشاف القناع ٣/ ٣٨].
وقد ذهب إلى المنع أو الكراهة طائفة لم يثبت عندهم الخبر، منهم الإمام مالك في رواية ابن القاسم عنه، سُئل عمّن يمسح وجهه بيديه في آخر دعائه وقد بسط كفيه قبل ذلك فأنكره وقال: «ما علمته» [النوادر والزيادات ١/ ٥٣٠؛ والبيان والتحصيل ١٨/ ٤٩]، وعبد الله بن المبارك، والبيهقي في الصلاة خاصة، والعز بن عبد السلام في فتاويه [المجموع ٣/ ٥٠١؛ الفتاوى للعز ص ٤٧]. وأنكر الحافظ السخاوي على العز تبديعه، فقال: «وليس كذلك» [الأجوبة المرضية ٣/ ١٠٧١].
وإذا كان ذلك كذلك، فقد تحصَّل أنَّ مسح الوجه باليدين بعد الدعاء خارج الصلاة مستحب في معتمد المذاهب الأربعة: هو الصحيح عند الحنفية، والمستحب عند متأخري المالكية في شروح الرسالة، والمعتمد عند الشافعية بما جزم به النووي في التحقيق، والمذهب عند الحنابلة.
ومستندهم أحاديثُ يقوِّي بعضُها بعضًا عند جماعة من الحفاظ، ويعضدها فعل ابن عمر وابن الزبير والحسن البصري، وهي على كل حال في باب الفضائل الذي اتفق العلماء على العمل فيه بالضعيف. وأمَّا في القنوت داخل الصلاة فالمعتمد عند الشافعية أنه لا يمسح، والمذهب عند الحنابلة أنه يمسح.
فمن مسح وجهه بعد دعائه خارج الصلاة فقد أصاب السنة على معتمد المذاهب، وليس مبتدعًا. وإنما يكون ذلك لمن رفع يديه في دعائه، فأمَّا من دعا ولم يرفع، كالذي يدعو في سجوده أو تشهده أو طوافه، فلا مسح عليه.
ولا يُستحب مسح غير الوجه كالصدر. ولا يجوز الإنكار على من فعله، ولا تبديعه؛ فإن المسألة مما اختلف فيه أهل العلم، وجرى عليه عمل جمهورهم.
المسألة الخامسة: في الرسائل المفردة في المسألة.
أفرد هذه المسألة وما يتصل بها جماعة من أهل العلم، منهم الإمام البيهقي في رسالته إلى الشيخ أبي محمد الجويني، أنكر عليه فيها مسحه وجهه بيديه في قنوت الصبح، وقد أوردها التاج السبكي في طبقات الشافعية الكبرى [٥/ ٨٣–٨٤].
والحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في رسالته «الرد على من أنكر رفع اليدين في الدعاء»، وفرغ منها سنة ٨١٧هـ، وفيها تخريج حديث عمر في المسح [مجموع فيه رسائل للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، ط. ابن حزم، ص ٣٥١–٣٦٣].
والحافظ جلال الدين السيوطي في «فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين بالدعاء»، وفيه المراسيل والآثار في المسح.
وللحافظ السخاوي جوابان مفردان في المسألة في الأجوبة المرضية [١/ ٢٧٩–٢٨٠، ٣/ ١٠٧١–١٠٧٢]. والله تعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
١٩ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ — ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦م