السؤال
شيخنا الكريم، انتشر في زماننا تبديع بعض المعاصرين لمسألة «تلقين الميت بعد الدفن»، بل ورمي من يقول باستحبابه أو مشروعيته بالجهل والابتداع في الدين، متجاهلين بذلك نصوصاً منقولة عن أئمة المذاهب. فما هو التكييف الفقهي الصحيح لهذه المسألة بناءً على الأدلة وأقوال الأئمة المعتبرين؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، وبعد:
فإن مسألة «تلقين الميت بعد الدفن» من المسائل الفقهية التي تواردت عليها أنظار الأئمة والفقهاء قديمًا، ومبناها على ما ورد من الأثر، وما جرى عليه عمل السلف في بعض الأمصار، ولا وجه البتة للتشنيع على فاعلها، أو رمي القائلين بها بالجهل والابتداع؛ فإن ذلك من المجازفة في إطلاق الأحكام، والقصور في استقراء المذاهب.
وتقرير هذه المسألة وبيان وجه الحق فيها يتضح من خلال مقامين:
المقام الأول: الأصل في هذا الباب ما أخرجه الإمام الطبراني عن الصحابي الجليل أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: «إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب... فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أنْ لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول: انطلق بنا، ما يُقْعِدُنَا عند من لُقِّن حُجَّتَه... إلخ».
وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال، إلا أن جهابذة الحفاظ قد اعتنوا به وقووه بشواهده وعمل السلف:
قال الإمام ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير»: «رواه الطبراني في أكبر معاجمه هكذا، وليس في إسناده إلا سعيد بن عبد الله فلا أعرفه، وله شواهد كثيرة يعتضد بها، ذكرتها في الأصل».
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «التلخيص الحبير»: «وإسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه».
وأفاض الإمام السخاوي في «المقاصد الحسنة» في سرد طرقه، وذكر أن الضياء قواه، وعزى العمل به للإمام أحمد عن أهل الشام، ولابن العربي عن أهل المدينة وقرطبة.
المقام الثاني: نصوص فقهاء المذاهب المتبوعة
لقد تتابعت نصوص فقهاء المذاهب الأربعة على مشروعية التلقين، وإليك بيانها:
1. من السادة الحنفية:
قال الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني في «اللباب في شرح الكتاب»: «وأما تلقينه - أي الميت - في القبر فمشروع عند أهل السنة لأن الله تعالى يحييه في قبره».
2. من السادة المالكية:
أورد الإمام القرطبي المفسر في «التذكرة» باباً في ذلك، وذكر أن العمل جرى في قرطبة على التلقين. وقال الإمام المواق في «التاج والإكليل» ناقلاً عن ابن العربي: «إذا أُدخل الميت قبرَه، فإنه يستحب تلقينه في تلك الساعة، وهو فعل أهل المدينة الصالحين من الأخيار؛ لأنه مطابق لقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}، وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير بالله عند سؤال الملائكة».
3. من السادة الشافعية:
قال الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح في «فتاويه»: «أما تلقين البالغ فهو الذي نختاره ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين... واعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام به قديماً».
وقال الإمام النووي في «المجموع»: «قال جماعات من أصحابنا يستحب تلقين الميت عقب دفنه... وممن نص على استحبابه القاضي حسين، والمتولي، والشيخ نصر المقدسي، والرافعي وغيرهم... فهذا الحديث وإن كان ضعيفاً فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث... ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن مَنْ يُقتدى به وإلى الآن».
4. من السادة الحنابلة:
سُئل شيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» عن التلقين فأجاب: «تلقينه بعد موته ليس واجباً بالإجماع... فمن الأئمة من رخص فيه، كالإمام أحمد، وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعي، ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة، فالأقوال فيه ثلاثة: الاستحباب، والكراهة، والإباحة، وهذا أعدل الأقوال».
الخلاصة:
بناءً على ما تقدم من هذا التقعيد والتأصيل، يتبين بجلاء أن القول بمشروعية التلقين هو قولٌ محرَّرٌ معتبر، سارت عليه قوافل من كبار المحققين.
ولك بعد هذا البيان الشافي أن تعجب غاية العجب من جرأة بعض المشايخ المعاصرين في وصف القائلين بمشروعية التلقين بالجهل والبدعة!
فهل يُنسب الجهل والابتداع إلى أئمة السلف من أهل الشام ومن غيرهم، ثم إلى أساطين العلم وورثة الأنبياء أمثال: ابن الصلاح، والنووي، وابن الملقن، وابن حجر، والقرطبي، وابن تيمية وغيرهم؟!
إن الواجب الأكيد في مثل هذه المسائل هو التزام الأدب مع سلف الأمة وأئمتها، وحمل مسائل الخلاف المعتبر على سعة الشريعة ومرونتها، وعدم احتكار الصواب في رأيٍ واحد وتضليل المخالفين.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
3 ذو القعدة 1434 هـ الموافق 9 سبتمبر 2013 م