السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا شيخ، بارك الله فيك، لدي سؤال: القراءات هي «10» صحيحة، ولكن لماذا نسمع أن هناك 50 قراءة أخرى وهي شاذة أي خاطئة، ومنها ما يخالف رسم المصحف؟ فإذا كانت العشر متواترة، وأضيفت إليها الخمسون، يعني ذلك وجود 80 قراءة شاذة؟ أرجو الإفادة.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن ما تفضلْتَ بالسؤال عنه يتعلق ببابٍ عظيمٍ من أبواب حفظ الدين. وقد يَعْرِضُ لبعض من يسمع بكثرة هذه المرويات «الشاذة» شيءٌ من الارتياب أو الشك، بيد أن هذا الشك يندفع من أصله إذا علمنا اليقين القطعي الذي حُفِظَ به كتاب الله تعالى، ويتضح الجواب بتقرير مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: التشدد البالغ في معيار ثبوت القرآن وحسم مادة الشك
إنَّ كثرةَ هذه المرويات المنسوبة لبعض القراء لا ينبغي أن تُورِثَ شكاً، بل هي دليل قاطع على أنَّ الأمة الإسلامية -منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم من أئمة القراءة- قد تشددت غاية التشدد، ووضعت شروطاً في غاية الحسم والقوة والموثوقية لضبط «ما هو قرآن» وتمييزه عما سواه.
فالقرآن قد حُسِمَ أمره؛ ولا يُعَدُّ الحرف قرآناً إلا باجتماع أركان ثلاثة: التواتر القطعي، وموافقة الرسم العثماني الذي أجمع عليه الصحابة، وموافقة وجه من وجوه اللغة العربية.
وما توافرت فيه هذه الشروط الصارمة فهو القرآن الذي نزل على قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وانحصر ذلك في القراءات العشر المتواترة.
المسألة الثانية: لمَّا كان معيارُ القبول في غاية الصرامة، فإنَّ كلَّ ما عدا القراءات العشر، مما اختلَّ فيه شرطٌ من الشروط السابقة، حُكِمَ بأنه «شاذ».
والقراءاتُ الشاذةُ لا تُحْصَرُ بعددٍ معينٍ كخمسين أو ثمانين، بل هي مرويات منثورة؛ فبعضُ القراءِ قد يُرْوى عنه مصحفٌ كاملٌ، وبعضهم قد تُرْوَى عنه اختيارات متفرقة، فتبقى في هذه الحدود.
وهنا ملمح دقيق يجب التنبيهُ عليه؛ وهو أنَّ بعضَ هذه الشواذ نُقِلَ عن كبار الصحابة كابن مسعود وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، كزيادة: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ (مِنْ أُم)} [النساء: 12]. وحقيقة الأمر في ذلك: أنهم لم يُدْخِلُوها في تلاوتهم على أنها قرآن، بل أثبتوها وكَتَبُوها في مصاحفهم الخاصة إلحاقاً بالآية لتكون تفسيراً وبياناً لها، وهذا ما قَرَّرَه جماعاتٌ من أهل العلم المحققين، فهي ملحقة بالآية للتفسير لا للتلاوة؛ ولذا سُمِّيَتْ «قراءة تفسيرية»، ومخالفتها للرسم العثماني مانعة من اعتبارها قرآناً.
المسألة الثالثة: لمَّا تقرَّرَ أنَّ القرآنَ قد حُسِمَ أمره بالعشر المتواترة؛ فإن ما عدا ذلك من الشواذ ليس بقرآن، ولا يُعْتَقَدُ قرآنيته، ولا يُتَعَبَّدُ بتلاوته، ولا تصح الصلاة به إجماعاً، قالَ شيخ الإسلام الإمام النووي في «المجموع شرح المهذب» (3/ 392): «ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآناً؛ فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة من السبع متواترة، هذا هو الصواب الذي لا يُعْدَلُ عنه، ومن قال غيره فغالطٌ أو جاهلٌ. وأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذة أُنْكِرَ عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها».
الخلاصة:
إن شروط ثبوت القرآن قد ضُبِطَتْ بمعايير في غاية الإتقانِ منذ عهد الصحابة، فانحصر القرآن في القراءات العشرِ المتواترة. وما عداها من الشواذ لا حصر لعدده، وهو إما مرويات ضعيفة، أو إدراجات تفسيرية كتبها الصحابة في مصاحفهم الخاصة بياناً للمعنى لا للتلاوةِ، ولا يجوز شرعاً اعتقاد قرآنية الشاذ ولا التعبد به في صلاة أو غيرها.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
27 ربيع الآخر 1448 هـ الموافق 8 أكتوبر 2026 م

عرض الفتوى في المصدر الرسمي