السؤال
فضيلة الشيخ سيف بن علي العصري، حفظكم الله ورعاكم.
سائلة تَسْتَفْتِي في نازلة وقعت لها؛ حيث أجهضت فجأة في جنينها، وكان عمر الحمل مئة وتسعة أيام (109 أيام). وتذكر السائلة أنها رأت الجنين مكتمل النمو وتخطيط الأعضاء، غير أن ملامح وجهه لم تكن واضحة المعالم، ولم تظهر منه أمارة على الحياة عند خروجه.
وقد وقفت السائلة على بعض الفتاوى في الشبكة العنكبوتية تفيد بأن الجنين إذا تجاوز مئة وعشرين يوماً يُصَلَّى عليه. فما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة؟ وهل يُغَسَّل هذا السقط ويُصَلَّى عليه؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فنسأل الله العلي القدير أن يعظم أجر السائلة في مصابها، وأن يُخْلِفَ عليها خَيْراً، وأن يربط على قلبها، وأن يجعل هذا السقط شَفِيعاً لها ولزوجها يوم القيامة، وفَرَطاً يَسْبِقُهُما إلى الجنة.
أما الحكمُ الفقهي في هذه القضية، فإن أحكام «السقط» وما يترتب عليها من التغسيل والتكفين والدفن والصلاة لا تُناطُ ببلوغ الحمل مدة زمنية معينة (كالأربعة أشهر أو 120 يوماً)، بل يُنَاط بظهور التخطيط وخلقة الآدمي في إيجاب الغسل والتكفين والدفن، ويُنَاط بالاستهلال وأمارة الحياة في إيجاب الصلاة، ونفصل الجوابَ في مسائل:
المسألة الأولى: في حكم تغسيل هذا السقط وتكفينه ودفنه
لما كان هذا السقط قد بلغ (109 أيام)، وظهر فيه تخطيط خلقة الآدمي واكتمل نمو أعضائه كما وصفت السائلة، وإن خفيت بعض ملامح وجهه، فإنه يجب تغسيله وتكفينه ودفنه اتِّفَاقاً عند الشافعية.
وقد نص خاتمة المحققين الإمام ابن حجر الهيتمي في «تحفة المحتاج في شرح المنهاج» بقوله: «ويغسل ويكفن ويدفن قَطْعاً إن ظهرت خلقة آدمي».
المسألة الثانية: في حكم الصلاة عليه (وهو جوهر الإشكال)
المقرر في معتمد المذهب الشافعي أن السقط لا تجوز الصلاة عليه إلا إذا انفصل عن أمه وظهرت منه أمارة الحياة المستقرة (كالبكاء، أو الصراخ، أو الاختلاج). أما إذا خرج ميتاً، فإن الصلاة عليه ممتنعة، ولو تجاوز الأربعة أشهر.
وقد قرر أئمة المذهب ذلك في معتمداتهم:
قال شيخ الإسلام الإمام النووي في «المجموع شرح المهذب» ناقلاً اتفاق الجمهور: «وإن كان له أربعة أشهر ولم يَتَحَرَّك؛ لم يُصَلَّ عليه عند جمهور العلماء، وقال أحمد وداود رحمهما الله: يُصَلَّى عليه».
وقال الإمام شمس الدين الرملي في «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج»: «وإن ظهر فيه خلقة ولم تظهر فيه أمارة الحياة، وجب فيه ما سوى الصلاة، أما هي فممتنعة».
المسألة الثالثة: في توجيه المسألة ومأخذها الأصولي
إنَّ التفريق بين الصلاة وغيرها مبنيٌّ على قواعد أصولية ومقاصدية:
أولها: العمل بمفهوم المخالفة (دليل الخطاب): استدل الشافعية بحديث جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث». [رواه ابن ماجه في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه]. فمنطوق الحديث يوجب الصلاة عند «الاستهلال»، وهو رفع الصوت أو الصراخ الدال على الحياة، ومفهوم المخالفة فيه يفيد صراحة أنه «إن لم يَسْتَهْلّ» ولم تظهر منه حياة، فإنه لا يُصَلَّى عليه.
ثانيها: قاعدة «اليقين لا يزول بالشك» واستصحاب الأصل: إن الأصل الموجب للصلاة على الميت هو ثبوت حياته الدنيوية المستقرة بيقين ثم زوالها. ولما كان السقط محتملاً للحياة والموت، ولم تُثْبَت حياته بالاستهلال، استصحبنا الأصل، وهو عدم التكليف بالصلاة عليه، لأن الذمم تبرأ بالشك.
ثالثها: المدرك المقاصدي، فإنَّ المقصود الأعظم من صلاة الجنازة هو الشفاعة للميت وطلب المغفرة له. والشفاعة فرع عن ثبوت الحياة الدنيوية التي يتصور فيها وقوع التكليف والخطايا. ولما لم يَثْبت للسقط الميت حكم الحياة في عالم الشهادة بعد الانفصال، انْتَفَى مقصود الصلاة في حقه.
والخلاصة:
الجنين المسؤول عنه يُغَسَّل، ويُكَفَّن، ويُدفَن وُجُوباً لظهور خلقة الآدمي فيه، ولكنه لا يُصَلَّى عليه لعدم ظهور أمارة الحياة منه عند خروجه.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
14 ربيع الآخر 1448 هـ الموافق 25 سبتمبر 2026 م