السؤال

فضيلة الشيخ الدكتور سيف بن علي العصري، حفظكم الله. عُرضت عليّ نازلة في بيع سيارة، صورتها: أن رجلاً اشترى سيارة من آخر، فصارحه البائع وقت العقد بأن في ذمته ديوناً متراكمة لبعض المصارف، وأن هذه الديون قد تُفضي قريباً إلى إيقاع الحجز على ممتلكاته من قبل الجهات المختصة، وأوصاه بالمبادرة إلى نقل ملكية السيارة «التسجيل الرسمي» باسمه فوراً تفادياً لتعلق الديون بها.
غير أن المشتري تراخى وتأخر في إجراءات النقل لانشغاله، وبعد مضي شهر، أوقعت الجهات المختصة الحجز على ممتلكات البائع، ومنها هذه السيارة لبقائها في سجلاته.
فهل هذا العقد صحيح شرعاً؟ وهل يحق للمشتري الآن رد السيارة للبائع بدعوى (خيار العيب) لعدم تمكنه من نقل ملكيتها والتصرف فيها؟ أفتونا مأجورين.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإنَّ هذا السؤالَ تتجاذبُهُ أصول فقهية دقيقة في باب البيوع والضمانات، وتخريجه على قواعد السادة الشافعية وموافقيهم من الجمهور يستدعي تحريرَ مقامين:
المقام الأول: في صحة عقد البيع ونفاذه، وهنا نقول: العقد المبرم بين الطرفين صحيحٌ نافذٌ شرعاً، ووجهُ ذلك عند السادة الشافعية وجمهور الفقهاء: أنَّ تَصَرُّفَ المدين في ماله بالبيع وغيره قبل أن يصدر حكم القاضي بالحجر عليه للفَلَس هو تصرف صحيح نافذ.
فالديون في ذمة البائعِ -وإن كثرت- لا تمنعُ من نفوذ تصرفاته في أعيان ماله ما لم يصدر قرار الحجر المانع من التصرف.
ولما كان الحجز قد وقع بعد إبرام العقد بشهر، فإن البيع قد صادف محلاً قابلاً للتصرف، ومُلكاً تاماً للبائع، فصح العقد شرعاً، وانتقلت ملكية السيارة للمشتري بالإيجاب والقبول والقبض.
المقام الثاني: في ثبوتِ خيار العيب للمشتري وحكمِ ردِّهِ للسيارة، وهنا نقولُ: دعوى المشتري ثبوت حق الرد بخيار العيب نظراً للتعذر الإداري لنقل الملكية وما يتبعه من توابع الحجز، دعوى ساقطة شرعاً، وليس له إلزام البائع برد السيارة بهذا العذر، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: العلم بالعيب والرضا به وقت العقد، إذْ من القواعد المقررة في المذهب الشافعي وغيره، أنَّ خيار العيب إنَّما يثبت للمشتري إذا ظهر في المبيع عيبٌ قديم لم يعلم به وقت العقد، أما إذا أطلعه البائع على العيب، أو على ما يُتوقع من خلل مانع «كخطر الحجز لتراكم الديون»، ورضي المشتري ومضى في العقد، فإن خياره يسقط قطعاً؛ إعمالاً للقاعدة الفقهية: (الرضا بالعيب يسقط الخيار)، و(الرِّضَا بالشيءِ رضاً بما يتولَّدُ منه)، والبائع هنا قد برئت ذمته بالإفصاح التام والتحذير.
الوجه الثاني: تراخي المشتري وتفريطه، فإنَّ نقل الملكية في السجلات الرسمية «وهو قبض حكمي» صار من تمام التخلية في الأعراف المعاصرة لحفظ الحقوق.
وقد أقر المشتري بتأخره وتفريطه في هذا الإجراء شهراً كاملاً رغم نُصح البائع وتحذيره، والقاعدة أنَّ (المفرِّط أولى بالخسارة)، ولا يُعذر بتقصيره في حفظ حقه، فلا يُجعل تفريطه سبباً لنقض العقد على البائع.
تفريعٌ وتنبيه: هذا الحكم المتقدم (بعدم استحقاق الرد) ينطبق ما دامت السيارة في حيازة المشتري، أما إذا تطور الأمر، وقامت الجهة الدائنة بمصادرة السيارة انتزاعاً من يد المشتري وبيعها سداداً لدين البائع؛ لكونها بقيت باسمه حكماً، فهنا ينتقل الحكم من باب (الرد بالعيب) إلى باب (استحقاق المبيع)، فبانعدام قدرة المشتري على الانتفاع، واستحقاق السيارة لجهة أخرى، ينفسخ البيع، ويحق للمشتري حينئذٍ الرجوع على البائع بالثمن الذي دفعه كاملاً بموجب (ضمان الدَّرَك)؛ لتبين عدم استقرار الملكية، ولأن الخراج بالضمان.
خلاصة الفتوى: عقد البيع المذكور صحيح نافذ شرعاً، ولا يحق للمشتري رد السيارة بدعوى العيب؛ لسقوط حقه بعلمه المسبق بحال البائع ورضاه به، مضافاً إلى تفريطه في التسجيل. فإن تطور الأمر إلى مصادرة السيارة منه، فله الرجوع على البائع بالثمن دفعاً للضرر.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
8 ربيع الآخر 1448 هـ الموافق 19 سبتمبر 2026 م

عرض الفتوى في المصدر الرسمي