السؤال

فضيلةَ الشيخِ، السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.
يعرضُ لبعضِ القارئينَ في كتابِ اللهِ تعالى إشكالانِ:
الأولُ: كيفَ تسنى لإبليسَ أنْ يوسوسَ لآدمَ عليهِ السلامُ في الجنةِ حتى أخرجَهُ منها، معَ أنْ صريحَ القرآنِ يدلُّ على أنَ اللهَ تعالى قد طردَهُ وأهبطَهُ قبلَ ذلكَ؟ فكيفَ حدثَ ذلكَ؟ وما هيَ ترتيبُ الأحداث؟
الثاني: ما وجهُ قولِ الملائكةِ الكرامِ حينَ أخبرَهُمُ الحقُّ جلَّ وعلا بخلقِ آدمَ واستخلافِهِ: {أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ}؟ فكيفَ لهُمْ هذا الحكمُ المسبقُ علينا؟
أفتونا مأجورينَ، ببيانٍ يزيلُ الشبهةَ ويحققُ المسألةَ.

الجواب

وعليكمْ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمينَ، سيدنا محمداً، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، وبعدُ:
فإنَّ ما تفضلتمْ بالسؤالِ عنهُ يتضحُ بتحريرِ المسألةِ في مقامينِ:
المقامُ الأولُ: لَمَّا تقررَ أنْ إبليسَ قد طردَ وأهبطَ، اختلفَ العلماءُ في كيفيةِ إيصالِهِ الوسوسةَ لآدمَ عليهِ السلامُ وهو في الجنةِ، وقد بسطَ الإمامُ فخرُ الدينِ الرازيُّ في تفسيرِهِ «مفاتيحِ الغيبِ» (3/462) أوجهَ الخلافِ في ذلكَ، ونلخصُها في مسالكٍ:
المسلكُ الأولُ: ما تذكرُهُ القُصَّاصُ منْ أنْ إبليسَ اختبأَ في فمِ الحيةِ حتى أدخلتْهُ الجنةَ خفيةً، وهو قولٌ بيَّنَ الإمامُ الرازيُّ أنَّهُ لا ينبغي الالتفاتُ إليهِ؛ متسائلاً: لو قدرَ إبليسُ على الدخولِ في فمِ الحيةِ، لِمَ لَمْ يجعلْ نفسَهُ حيةً ويدخلْ؟ ولماذا تعاقبُ الحيةُ وتُلعنُ مع أنها بهيمةٌ غيرُ عاقلةٍ ولا مكلفةٍ؟
المسلكُ الثاني: أنَّ إبليسَ دخلَ الجنةَ متشكلاً في صورةِ دابةٍ، وهو قولٌ عدَّهُ الرازيُّ أقلَّ فساداً منْ سابقِهِ.
المسلكُ الثالثُ: وهو قولُ بعضِ الأصوليينَ أنْ آدمَ وحواءَ عليهما السلامُ كانَا يخرجانِ إلى بابِ الجنةِ، وكانَ إبليسُ يقربُ منَ البابِ فيلقي إليهما الوسوسةَ.
المسلكُ الرابعُ: وهو قولُ الحسنِ البصريِّ أنْ إبليسَ كانَ في الأرضِ وأوصلَ وسوستَهُ إليهما في السماءِ. وقد استبعدَ هذا لكونِ الوسوسةِ كلاماً خفياً، والكلامُ الخفيُّ لا يمكنُ عادةً إيصالُهُ منَ الأرضِ إلى السماءِ.
واللهُ أعلمُ بحقائق ما كانَ، والواجبُ الإيمانُ بما أخبرَ في التنزيل، والإعراضُ عما غابَ عنَّا من التفصيل.
المقامُ الثاني: قولُ الملائكةِ: ﴿أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ﴾ [البقرة:30]، ليسَ سؤالَ اعتراضٍ على تدبيرِ اللهِ، حاشاهمْ، فهمْ ﴿لا يسبقونَهُ بالقولِ وهمْ بأمرِهِ يعملونَ﴾ [الأنبياء:27]. وإنما هو سؤالُ استكشافٍ واستعلامٍ عنِ الحكمةِ؛ كأنهمْ قالوا: يا ربنا، ما الحكمةُ في خلقِ هؤلاءِ معَ أنْ منْ شأنِهِمُ الإفسادُ؟
وأما كيفَ علموا ذلكَ قبلَ خلقِ آدمَ؟ فقد تنوعت مسالكُ المفسرينَ في بيانِ مأخذِ علمِهِمْ على أوجهٍ:
أحدها: القياسُ على منْ سلفَ؛ فقد أخبرتِ الآثارُ أنَ الأرضَ سكنتها أمةٌ منْ طوائفِ الجنِّ قبلَ خلقِ آدمَ، فأفسدوا في الأرضِ وسفكوا الدماءَ، فلما أخبرَهُمُ اللهُ أنهُ جاعلٌ في الأرضِ خليفةً، قاسوا حالَ الخلفِ المستخلفِ في الأرضِ على حالِ السلفِ الذينَ سكنوها، فغلبَ على ظنِهِمْ وقوعُ الإفسادِ.
ثانيها: أنَ اللهَ تعالى لما قالَ لهُمْ: {إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً}، أعلمهمْ بطبيعةِ هذا الخليفةِ، وأنهُ سيكونُ لهُ ذريةٌ تختلفُ أهواؤهمْ وتتضاربُ مصالحُهُمْ، فاستنبطوا منْ ذلكَ أنَ اختلافَ الأهواءِ والطبائعِ سيفضي حتماً إلى التنازعِ وسفكِ الدماءِ.
ثالثها: الاستنباطُ منْ لفظِ "الخليفةِ"؛ إذِ الخليفةُ هو الذي يخلفُ غيرَهُ لفصلِ القضاءِ وإحقاقِ الحقِّ. ولا يحتاجُ إلى فصلِ القضاءِ إلا عندَ وقوعِ المظالمِ والتعدي وسفكِ الدماءِ؛ ففهمتِ الملائكةُ منْ مقتضى اللفظِ أنَّ ثمَّةَ إفساداً سيقعُ ويحتاجُ إلى منْ يقمعهُ ويقيمُ العدلَ فيهِ.
واللهُ تباركَ وتعالى أعلمُ.
كتبهُ: د. سيفُ بنُ عليٍّ العصريِّ
21 ربيعِ الأولِ 1448 هـ الموافقِ 3 سبتمبرَ 2026 م