السؤال
يقول السائل: بارك الله فيكم وجزاكم الله الخير، ورفع شأنكم فوق ما بكم من رفعة العلم وفضل إفشائه.
سؤال لدي لم أجد جوابه في بيانكم المبارك هذا: كيف يعمل المقلد العامي في المسألة الواحدة؟ أَيْجُوزُ له تقليد أكثر من مجتهد في المسألة الواحدة؛ مثل نواقض الوضوء ومثل عقد الزواج وشروطه؟ أم أنه ملزم باجتهاد مجتهد واحد هنا في جميع أحكام وشروط المسألة الواحدة؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
وبارك الله فيكم أيها السائل الكريم، وجزاكم خيراً على حرصكم على التفقه في أصول دينكم. اعلم -وفقني الله وإياك- أن مسألة تقليد العامي للأئمة، وتنقلاته بينهم، وتلفيقه في العبادة الواحدة، هي من المسائل الخلافية المشهورة بين الأصوليين، وقد حررها أئمة الشأن كابن الحاجب، والآمدي، والزركشي، والسبكي، وأجملها لك في .... مسائل:
المسألة الأولى: تنقل العامي بين المذاهب في المسائل المنفصلة، والمقرر عند جمهور الأصوليين كالعز بن عبد السلام والنووي أنه لا يجب على العامي التزام مذهب معين بجميع رخصه وعزائمه في كل مسائل الدين، بل قاعدتهم: «العامي لا مذهب له، مذهبه مذهب مفتيه».
وعليه؛ يجوز للعامي أن يستفتي عالماً شافعياً مثلاً في مسألة متعلقة بالزكاة، ثم يستفتي عالماً حنفياً في مسألة أخرى متعلقة بالصيام، ولا حرج عليه في ذلك، شريطة ألا يكون الحامل له على هذا التنقل هو «تتبع الرخص بالتشهي»، فإن تتبع الرخص للتحلل من التكاليف مذموم.
المسألة الثانية: إذا قلَّد العامي إماماً في حادثة معينة، فهل يجوز له أن يتركه ويقلد غيره في ذات الحادثة؟ ولذلك حالتان:
الحالة الأولى: الرجوع قبل العمل، فإذا استفتى العامي عالماً، فأفتاه، ولكن العامي لم يعمل بالفتوى بعدُ، ولم ينفذ مقتضاها، فالصحيح عند محققي الشافعية، وهو المنصوص في جمع الجوامع، ورفع الحاجب للسبكي، جواز الرجوع؛ فله أن يسأل مجتهداً آخر ويعمل بفتواه.
وعلة ذلك: أنَّ الإفتاءَ إخبارٌ بالحكم، لا يُلزم المكلف ما لم يتصل به العمل والتنفيذ.
الحالة الثانية: الرجوع بعد العمل في عين الحادثة، فإذا عمل العامي بفتوى إمامه، وأمضى التصرف، فقد نص الإمام سيف الدين الآمدي وابن الحاجب، وتبعهما السبكي في جمع الجوامع: «أنه إذا عمل العامي بقول مجتهد في حادثة، فليس له الرجوع عنه». قال بدر الدين الزركشي في [تشنيف المسامع بجمع الجوامع (4/ 617)]: «إذا عمل العامي بقول مجتهد في حادثة فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها بالإجماع، نقله ابن الحاجب والهندي وغيرهما».
ومعنى ذلك: أنه ليس له أن ينقض (عين تلك الحادثة الماضية) بتقليد إمام آخر، كالزواج الذي سألتم عنه، فلو تزوج رجل امرأة بغير إذن وليها تقليداً لمذهب الإمام أبي حنيفة، واستقر نكاحه ومضى، فليس له بعد سنوات، إذا ساءت العشرة، أن ينقض عين هذا النكاح ويعتبره باطلاً ليتملص من المهر تقليداً لمذهب الإمام الشافعي القائل باشتراط الولي، لأن الإمضاء بالتقليد كالإنفاذ بحكم القاضي، لا يُنقض بالتشهي لئلا يُتخذ الدين ذريعة للتحلل بالهوى.
وقد تعقب الإمام بدر الدين الزركشي في البحر المحيط دعوى الاتفاق على المنع المطلق بعد العمل، وحرر المسألة تحريراً بالغ الدقة فقال: «وأما ما نقله بعض الأصوليين من الإجماع على منع رجوع المقلد عمن قلده فهو - إن صح - محمول على تلك المسألة بعينها بعد أن عمل بقوله فيها». [البحر المحيط في أصول الفقه 8/376].
أما في النظائر والحوادث المستقبلية فيجوزُ، فلو توضأ ولمس زوجته ثم صلى مقلداً للحنفية في عدم النقض، فليس له أن يعود ليحكم ببطلان تلك الصلاة الماضية تقليداً للشافعي.
لكن له في اليوم التالي أن يتوضأ، فإذا لمس زوجته أعاد الوضوء تقليداً للشافعي في صلاته الجديدة المستقبلية؛ لأن عمله الماضي لا يَسْلِبُه أهلية الاستفتاء في المستقبل.
المسألةُ الثالثةُ: نُحرِّرُ فيها مناطَ التلفيق وحكمَهُ عند الأصوليين، وهو من المباحث الأصولية التي زَلَّت فيها أقدام بعض المتفقهة، وحدُّ التلفيق الممنوع عند جَهَابِذَة الأصوليين هو: الجمع بين قولين أو أكثر في قضية واحدة، بحيث تتولد من هذا الجمع حقيقة مركبة، لا يقول بصحتها أحد من المجتهدين الذين وقعَ تقليدُهم.
وتصوير النازلة التي نحن بصدد بيانها: أن يلفق المكلف في عمله بين مذهبين، فينتج عن تلفيقه هيئة باطلة في ميزان كلا الإمامين المقلَّدين، بيد أن هذه الهيئة المركبة وافقت -اتفاقًا ومن غير قصدٍ- مذهبَ إمامٍ ثالثٍ مُعتبرٍ لم ينو المكلف تقليده ابتداءً.
وقد افترقت أنظار الأصوليين والفقهاء في اعتداد هذا العمل وصحته على مسلكين:
المسلك الأول: القول بالبطلان وعدم الاعتداد، وهو مسلك المحققين، ومأخذ هذا القول ووجهه: أن المكلف ليس له أن يعبد الله تعالى إلا بميزان الشرع وحُجَّتِه. والشرع في حق العالم المجتهد هو ما أداه إليه اجتهاده، أما في حق المقلد العامي فالشرع في حقه هو مذهب من قلَّدَه، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
فلما التزم العامي تقليد هذين الإمامين، وتولد عن التلفيق بين قوليهما حقيقة لا يَرْضَيَانِها ولا يُقِرَّان بصحتها، فقد أقدم على عمل يعتقد هو بطلانه في ميزان من قلدهم.
وأما موافقة هذا العمل لمذهب إمام ثالث معتبر، فلا اعتداد بها عندهم؛ لأن نية التقليد وقصده شرط في التعبد.
فالمكلف هنا لم ينو تقليد الإمام الثالث، وموافقته إنما وقعت اتفاقًا وعَرَضًا، ومن أتى بفعل لا يصح عند من قصدهم، لا ينفعه وجود قائل به لم يعلمه ولم يستحضر تقليده.
المسلك الثاني: القول بالصحة دفعًا للحرج، وإلى ذلك ذهب طائفة من أهل العلم، لا سيما إذا وقع العمل ومضى وأريد تصحيحه دفعًا للمشقة.
ومأخذهم في ذلك: أن العلة في منع التلفيق هي إحداثُ قولٍ ثالثٍ يخرقُ إجماعَ الأمةِ، أي الإتيان بصورة لا سلف لها في الإسلام قطعًا. فإذا وجد مجتهد معتبر في الأمة يقول بصحة هذه الصورة بجميع قيودها وشروطها، فقد ارتفع خرق الإجماع، وانتفت علة التحريم. ويُبنى على هذا قاعدةٌ جليلةٌ عند الفقهاء، وهي: تصحيح تصرفات العوام وعقودهم بعد الوقوع ما أمكن، دفعًا لحرج فسخ الأنكحة واستحلال الفروج بالتشكيك.
أما إنْ تولَّدَ عن التلفيق صورةٌ لا قائل بها في الأمة أصلًا؛ كمن يعقد نكاحًا بلا ولي مقلدًا لأبي حنيفة، وبلا شهود مقلدًا لمالك. فهذا باطل إجماعًا، ولا سبيل لتصحيحه؛ لأنه أحدث قولًا مركَّباً يخرق الإجماع، وهذا هو التلفيق المجمع على بطلانه كما نص عليه الأئمة.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
20 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 2 سبتمبر 2026 م