السؤال
يسأل الأخ: محمد عبد الجبار .. من أسلم حديثاً من الكفار، وكذلك عامة المسلمين: هل يلزمهم التمذهب بمذهب فقهي معين من المذاهب المعتبرة؟ وأي مذهب ينبغي أن يختار العامي إن أراد التمذهب؟ وما هو التوجيه الشرعي في هذه المسألة؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن المسلم الجديد، وكذا العامي الذي يقصر عن رتبة الاجتهاد والنظر في الأدلة، يلزمه في بداية أمره أن يتعلم ما يُعْلَم من الدين بالضرورة؛ كالصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وتحريم الخمر والزنا، ونحو ذلك مما يشترك في إدراكه والعلم به الكافة، فهذا القسم لا مدخل للتقليد ولا للتمذهب فيه.
أما ما دقَّ من الأحكام واحتاج إلى نظر واستدلال، كفروع العبادات والمعاملات والمناكحات، فقد تقرر عند الأصوليين أنَّ فرضَ العاميِّ فيها هو «التقليد» وسؤال أهل العلم.
وفي مسألة التزام العامي بمذهب إمام بعينه، للعلماء قولان محرران، قد استوفينا تفصيلهما ومناقشتهما في كتابنا: «المقدمات الفقهية النافعة»، وبيانُهما كالتالي:
القول الأول: أن العامي ومن في حكمه من العلماء القاصرين عن الاجتهاد يلزمهم التمذهب بمذهب إمام بعينه من أئمة الاجتهاد يختارونه، وليس لهم أن يختاروا من أقوال العلماء بمجرد التشهي، وإلى ذلك ذهب الإمام الكيا الهراسي، وتاج الدين السبكي، وطائفة من العلماء.
القول الثاني: أن هذا التمذهب والتقليد جائز لا واجب، وإليه ذهب الجمهور. قال الإمام النووي رحمه الله: «الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، أو من اتفق، لكن من غير تَلَقُّطٍ للرخص» [روضة الطالبين وعمدة المفتين: 11/117].
والخلاف بين العلماء إنما هو في «الوجوب»، أما «الجواز» فلا خلاف فيه ألبتة، ويدل على جوازه الكتاب والسنة والإجماع:
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فأمر الله سبحانه من لا يعلم أن يسأل من يعلم، والإنسان يحتاج أن يعرف أحكام عباداته ومعاملاته ومناكحاته؛ ولو كُلِّف الناس بتعلم جميع تلك العلوم والمعارف، وانقطعوا لذلك، لتعطلت مصالحهم، ووقع الخلل في معاشهم ووظائفهم.
من السنة: فعن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجرٌ فشَجَّهُ في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخْبِرَ بذلك فقال: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال» [رواه أحمد في مسنده، وأبو داود وابن ماجه والدارمي في سننهم]. فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال أهل العلم ليعمل بقولهم، وهذا هو التقليد.
من الإجماع: فقد نقله كثيرٌ من العلماء؛ قال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي: «وأما التقليد في الفروع فهو جائزٌ إجماعاً» [روضة الناظر وجنة المناظر: ص383]. وقال الإمام الآمدي: «وأما الإجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية... فكان إجماعاً على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقاً» [الإحكام في أصول الأحكام: 4/229]. وقال العلامة محمد الخضر الشنقيطي: «وأما وجوب التقليد من العامي للعالم فعليه الكتاب والسنة، وإجماع أهل القرون الثلاثة...» [قمع أهل الزيغ والإلحاد: ص75].
وقد جلى الإمام المحدث الخطيب البغدادي رحمه الله حكمة هذا التشريع بقوله: «ولأنَّا لو منعنا التقليدَ في هذه المسائل التي هي من فروع الدين لاحتاج كل أحد أن يتعلم ذلك، وفي إيجاب ذلك قَطْعٌ عن المعايش، وهلاك الحرث والماشية، فوجب أن يَسْقُط» [الفقيه والمتفقه: 2/132]، أي: أن يَسْقُط القول به.
وكان التقليد معروفاً في زمن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولم ينكره أحد منهم. قال طاووس رحمه الله: «رأيت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا تدارءوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس» [الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/316، والإصابة لابن حجر: 4/148]. فهؤلاء الصحابة يرجعون إلى تقليد ابن عباس فيما لا يعلمونه؛ مع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يزيدون على مائة ألف، بينما الذين حُفِظَتْ عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مائة ونيف وثلاثون نفساً كما قال ابن القيم في [إعلام الموقعين: 1/12].
وقد قَلَّد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أبا بكر في مسألة الكلالة، فلما طُعِن عمر قال: «إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر، أرى الكلالة ما عدا الولد» [تفسير ابن كثير: 2/230]. ولا يعكر على هذا اعتراض الإمام ابن القيم بأن عمر أقر عند موته أنه لم يقض فيها بشيء؛ لأن عدم قضائه بشيء لا يخالف أنه قلد أبا بكر، فالمعنى أنه لم يقض فيها برأي يخصه ويستقل به، بل أخذ فيها بقضاء أبي بكر لعدم استبانة ما يستدعي المخالفة.
ولم يقتصر هذا على العوام، بل امتد لبعض كبار الأئمة في حال غياب النص؛ فهذا إمام السنة أحمد بن حنبل يُقَلِّد الإمام الشافعي حينما سُئِل عن مسألة لا يصح فيها حديث، فقال: «إن لم يصح فيه حديث، ففيه قول الشافعي، وحجته أثبت شيء فيه» [آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم: ص64، وتاريخ دمشق: 51/351].
وأما أي المذاهب يختار العامي أو المسلم الجديد متى أراد التمذهب؟
فالجواب: أنه متى تقرر ما بيناه من قول الجمهور بعدم وجوب التزام مذهب بعينه، فإنْ رغبَ المكلف في لزوم مذهب، فالأولى والأرشد أن يختار المذهب الفاشي في بلده، والغالب على أهل قطره.
والمأخذ في ذلك: تيسر الرجوع إلى علمائه المتمكنين، وسهولة استفتائهم في النوازل والمستجدات، بخلاف ما لو قلد مذهباً لا وجود لأهله في دياره، فإنه يعسر عليه التفقه والسؤال لانقطاع أسبابه.
فإن تعددت المذاهب المعتبرة في بلده، تخير منها ما هو أيسر مسلكاً له؛ كأن يكون أوثق صلة بعلماء مذهب منها، أو أسهل وصولاً لمجالسهم.
وليُعلم يقيناً أن هذه المذاهب الفقهية المتبوعة قاطبةً، هي سُبلٌ موصلةٌ إلى مرضاة الله تعالى، ومسالك هداية محكمة، فلسنا ندعو إلى عصبية مذهبية مقيتة، بل كل هذه المذاهب رياض من معين الوحي، وكلهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مُلتمس.
وبناءً على ما تقدم: فإن المسلم الجديد والعامي يلزمهما سؤال أهل العلم الموثوقين، والعمل بفتواهم. والتزامهما بمذهب فقهي معتبر من المذاهب الأربعة المتبوعة هو مسلك سديد، يضبط العبادة والمعاملة، ويقي من شر التخبط وتلقط الرخص، وهو أمر جائز بإجماع الأمة، ومندوب إليه لانتظام أحوال المكلفين واستقامة ديانتهم.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
20 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 2 سبتمبر 2026 م