السؤال
شيخنا الكريم، يعترض بعض المعاصرين على الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف بشبهات يرمون فيها المجيزين بالتناقض؛ حيث يزعمون أن المجيزين يقولون: «هو عادة لا عبادة»، ثم يستدلون عليه بأدلة شرعية. ويستندون في إنكارهم إلى نصوص بعض المالكية كالفاكهاني والشاطبي، وإلى أثر ابن عمر رضي الله عنهما في إنكار الزيادة في العطاس، كما يستخفون بتخريج الحافظ ابن حجر لاستحبابه قياساً على صيام عاشوراء. فكيف يُرد على هذه الشبهات وتُفكك مبانيها وفق القواعد الأصولية والفقهية؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإنَّ الناظر في اعتراضات بعض المتأخرين على ما جرى عليه عمل الأمة من الاحتفاء بمولد المصطفى صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، يجدها تدور في فلك من «الشبهات المركبة» التي يوهم ظاهرها بالعلم، وباطنها يعاني من خلل عظيم في تصور قواعد الفقه ومقاصد الشريعة.
وقد طالعتُ ما تفضلتم بإيراده من شبهة ذلك المعترض، وسنأتي عليها بإذن الله بالنقض والإبرام، نقضاً لمبانيها، ودحضاً لمعانيها:
اعلم -رعاك الله- أن آفة هؤلاء المعترضين تكمن في الجمود والجفاء الفقهي، والوقوف عند ظواهر الأمور دون الغوص في حقائقها، فهم ينظرون إلى القضايا الفقهية بنظرة حدِّية قاصرة (إما أبيض خالص، أو أسود خالص)، ويجهلون أو يتجاهلون أن بين العبادة المحضة والعادة الساذجة مراتب واعتبارات، والجواب عن شبهتهم ينتظم في وجوه:
الوجه الأول: كشف الغطاء عن وهم التناقض (بين العبادة والعادة)، إن قول القائلين: «المولد ليس عبادة»، يقصدون أنه ليس عبادةً من كل وجه، كما أنه ليس عادة من كل وجه، وقولهم هذا هو محض الفقه، ولا تناقض فيه إلا في ذهن من قصر فهمه.
وبيان ذلك: أن «المولد» أمرٌ مُرَكَّب؛ فمن حيثُ (صورتُهُ) وهو تحديد يوم للاجتماع على القرآن والسيرة والمدح ليس عبادةً توقيفيةً منصوصاً عليها لذاتها، كالصلاة والصيام، فهو بهذا الاعتبار «عادةٌ تنضوي تحت المباحات».
أما من حيثُ «مضمونه وما يُفعل فيه» من تلاوة للقرآن، وسرد للسيرة العطرة، وصلاة وسلام على النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، وإطعام للطعام؛ فهو «عبادةٌ» محضةٌ مشروعةٌ ومندوبة بأدلة الشرع العامة.
فحين نقول: «هو عادة لا يُحجَّر على فاعلها»، نعني: ظرف الاجتماع وهيئته. وحين نقول: «هو مستحب وتُساق له الأدلة»، نعني: ما اشتمل عليه من القربات. فالجهة منفكة، ولا تناقض إلا عند من يخلط بين الوسيلة والمقصد والظرف والمظروف.
الوجه الثاني: إلزامُ المعترض بصنيعه، فإنه يقيم الاحتفال بختم القرآن ونحوه من الترتيبات الحادثة، فنلزمهم بما يمارسونه في واقعهم ويستحسنونه عملاً ولا ينكرونه؛ فإن هؤلاء يعقدون الاحتفالات الكبيرة لتكريم حُفَّاظ القرآن الكريم، ويحددون لها أوقاتاً، ويجمعون لها الناس، كما تراهم يقيمون «الدورات القرآنية والعلمية» الموقوتة بأيام معينة، ويخصصون الحديث والمواعظ عن رمضان والحج عند هلول أهلتها واقتراب مواسمها، إلى غير ذلك مما يفعله المخالف من الترتيبات الدعوية الحادثة.
فليُسألوا: هل هذا الاحتفال بختم القرآن، أو تلك الدورات الموقوتة عبادةٌ منصوصٌ عليها تعييناً بآية أو حديث على هذه الهيئة؟ سيقولون: لا.
وهل هي «عادةٌ» دنيوية ساذجة كالأكل والشرب لا أجر فيها؟ سيقولون: بل نرجو فيها الأجر والثواب؛ لأنها نصرةٌ للدين، وتشجيعٌ على حفظ الكتاب، وتهيئةٌ للنفوس لمواسم الطاعات.
فنقول لهم: قد حكمتم على أمرٍ لم يفعله الصحابة ولا التابعون بهيئته بأنه مستحب وقربة؛ لأنه مركَّبٌ من مقاصد مشروعة، واتخذتم الزمان والمكان ظرفاً مباحاً لغاية حسنة! فبمَ تُنكرون إذن على من أقام تجمعاً ليس بعبادة توقيفية في أصله، لكنه يشتمل على عبادات منصوصة؛ كالصلاة على النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ وسماع سيرته، بنية نصرة الدين وتجديد المحبة؟! فما جاز في الأول جاز في الثاني، والعلة متحدة، والتفريق بين المتماثلات مكابرةٌ ظاهرة ومحضُ تحكم.
الوجه الثالث: دحض الاحتجاج بكلام الفاكهاني والشاطبي وابن الحاج، إذْ يستندُ المانعون إلى قول الفاكهاني بأنه بدعة محرمة أو مكروهة بناء على الأحكام الخمسة، فهو مبني على تصور أن المولد تم تشريعه كفريضة سادسة أو عبادة مستقلة لذاتها كصلاة العيد! وهذا لم يقله أحد من العلماء المجيزين. بل المولد عندنا يندرج تحت المباح من حيث الأصل، ويرتقي إلى المندوب بما يشتمل عليه من قربات.
وأما كلام الشاطبي وابن الحاج عن (التزام العبادات في أوقات معينة لم يعينها الشرع).
فجوابه: أنَّ النهي عن التخصيص إنما يكون لمن اعتقد أن (الزمان نفسه) له فضيلة تشريعية توقيفية بحيث يأثم تاركها، أو زعم أنه يشرع فيه من العبادات الخاصة (كصلاة ركعتين مخصوصتين للمولد).
أما اتخاذ الزمان «ظرفاً ترتيبياً» لتنشيط النفوس على الطاعات المطلقة، دون اعتقاد شرعية مقيَّدة لذات الوقت المعين، فهذا من باب المصالح المرسلة والوسائل التي تأخذ حكم المقاصد، وليس من الابتداع المذموم في شيء.
الوجه الرابع: استدلالهم بأثر ابن عمر وحديث العطاس، فاستشهاد المعترض بإنكار ابن عمر رضي الله عنهما على من زاد الصلاة على النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ بعد العطاس، فهو قياس مع الفارق الشاسع، ويدل على خلط عجيب بين العبادة المقيَّدة والعبادة المطلقة.
فإن تشميت العاطس عبادة مقيَّدة جاء الشرع بصيغتها المحددة (الحمد لله)، فالزيادة عليها في ذات الموضع تغيير لهيئة متعبد بها نصاً.
أما الاجتماع على قراءة السيرة والصلاة على النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ فهو من العبادة المطلقة التي لم يحدد لها الشرع وقتاً ولا هيئة تمنع من إيقاعها في أي وقت.
فكيف يُقاس من غيَّر (نصاً مقيداً) على من مارس (أمراً مطلقاً) في وقت من الأوقات؟!
الوجه الخامس: تسفيههم لتخريج أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني، حيث قاسَ رحمه الله الاحتفال بالمولد على صيام عاشوراء شكراً لله، وقول المتهكم: «العيد يوم أكل وشرب لا صيام»، فهو من عجائب الجهل!
إذ لم يقل ابن حجر إن يوم المولد (عيد شرعي، ولا رتبَ عليه أحكام العيد الشرعي كحرمة الصيام ونحو ذلك)، بل أثبت أصل جواز إحداث الشكر لله بأنواع العبادات المتنوعة في الأيام التي تتجدد فيها ذكرى النعم العظيمة.
وأما تعقيب المعترض بقوله: «فهل يجوز إحداث أوقات زيادة على الصلوات الخمس؟»، فهذا من أفسد القياس؛ لأن الصلوات الخمس المفروضة عبادة توقيفية زماناً وهيئة وكمّاً، فإحداث صلاة سادسة هو عين التبديل للدين. بينما المولد ليس صلاة مفروضة، ولا عبادة مقيدة، بل هو «مظلة» تجمع تحتها أعمالاً صالحة مشروعة بأصلها.
الخلاصة:
إن هذه الشبهة لا تقوم على ساق، وإنما هي نتاج عقول لم تتشرب قواعد الأصول، ولم تفرّق بين البدعة المذمومة، والوسائل الدعوية والمقاصد الكلية المشروعة.
فالاحتفال بالمولد بالضوابط الشرعية الخالية من المنكرات هو استثمار للزمان في إقامة عبادات جليلة مستحبة، شكراً لله تعالى على إشراق شمس النبوة، ولا ينكر هذا إلا من أعمى الجمود بصيرته عن إدراك سعة الشريعة ورحابتها.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
4 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 17 أغسطس 2026 م