السؤال
السلام عليكم شيخ، أسعد الله أوقاتكم. شيخ، لدي سؤال: ما حكم شرب الشيشة الإلكترونية (Vape) والشيشة العادية؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير وعافية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن من محاسن شريعتنا الإسلامية أنها جاءت لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، وأسست أحكامها على حفظ «الكليات الخمس»، وفي طليعتها: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ المال. وجرياً على القاعدة العلمية: «الحكم على الشيء فرع عن تَصَوُّرِه»، فإنه ينبغي قبل إرسال الحكم الشرعي، تحرير ماهية هذه الأشياء طبياً، ثم بيان مأخذ أنظار الفقهاء المعاصرين فيها.
المقام الأول: حقيقة الشيشة
الشيشة العادية، وتسمى في بلاد الشام الأرجيلة، وفي العراق النارجيلة، وفي اليمن المَدَاعة، فهي أداة لتدخين التبغ المُعَسَّل المخلوط بالمنكهات، حيث يُحْرَق بالفحم، ويمر دخانه عبر الماء قبل استنشاقه.
وقد أثبت الطب الحديث أن مرور الدخان بالماء لا ينقيه من السموم، بل يُدْخِل إلى جوف الإنسان كميات من القطران وأول أكسيد الكربون، مما يضر بالجهاز التنفسي.
والشيشة الإلكترونية (Vape): جهاز إلكتروني يُسَخِّن سائلاً كيميائياً، يحتوي غالباً على النيكوتين والجلسرين ومنكهات، ليتحول إلى رذاذ يُسْتَنْشَق. وتؤكد التقارير الطبية أنها تسبب الإدمان، وتحتوي على مركبات ضارة تنتج عن عملية التسخين تؤثر سلباً على الرئتين.
المقام الثاني: التكييف الفقهي
لقد اتفق العلماء المعاصرون قاطبة على ثبوت الضرر في تعاطي التدخين بأنواعه «السيجارة، الشيشة، الفيب» بناءً على تقارير أهل الطب.
غير أنهم اختلفوا في «الدرجة الفقهية» لهذا الحكم، فافترقوا إلى فريقين:
الفريق الأول: جزم بالتحريم، مستدلاً بما يلي:
أولاً: حرمة إلحاق الضرر بالنفس: فقد نهى الله جل وعلا الإنسان عن كل ما يُودِي به إلى الهلاك أو يلحق الأذى ببدنه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. وما دام الطب قد قطع بضرر هذه المواد، فإن تعاطيها يُعَدُّ مساهمة في إهلاك النفس.
ثانياً: المنع من إيذاء الذات والغير: وذلك إعمالاً للقاعدة الفقهية الكبرى المستنبطة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار». ففي تعاطي هذه الآفات ضرر على المدخن نفسه، وعلى من حوله ممن يستنشقون الدخان أو الرذاذ المتصاعد، وهو ما يُسمى (التدخين السلبي).
ثالثاً: تحريم الخبائث، فإنَّ من مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه يُحِلُّ الطيبات النافعة، ويحرم الخبائث الضارة، كما قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. وقالوا: لا يشك عاقلٌ وقف على مكونات هذه المواد وآثارها أنها من الخبائث التي تُفْسِد الصحة وتُنْتِن الرائحة.
رابعاً: تحريم إضاعة المال: فشراء هذه الآفات هو إنفاق للمال فيما لا نفع فيه البتة، بل فيما يعود على البدن بالمرض والوباء، وهو داخل في حد التبذير المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 27] ، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه: «نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ». متفق عليه.
الفريق الثاني: قال بالكراهة الشديدة.
وسبب هذا الخلاف الفقهي رَاجِعٌ إلى طبيعة هذا الضرر؛ فإن ضرر التدخين والشيشة إنما يقع على المدى البعيد والتراكمي، وليس كالسم الزعاف أو المهلك من فوره الذي يُتْلِف البدن أو يُودي بالحياة عاجلاً.
فالواقع المشاهد أن بعض الناس قد يتعاطى السيجارة أو الشيشة لعقودٍ من الزمن، من شبابهِ إلى بلوغِ الستين والسبعين، ولا يموت بسببها، وإنْ كانَ بدنُهُ لا يخلو من آثارٍ سيئة، مما يجعل ضررها شبيهاً -إلى حد ما- بالضرر الناشئ عن الإفراط في تناول بعض المباحات كالقهوة أو الأطعمة الدسمة التي تورث الأمراض على المدى الطويل ولا يُحْكَم بحرمتها.
ولما كان إطلاق لفظ «التحريم» أمراً جَلَلاً، ومقاماً شديداً ينبغي للمفتي أنْ يتهَيَّبه ما لم يقم عليه دليل ناصع، استصحاباً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:116]، فإن الورع يقتضي عدم الجزم بالحرمة، والميل إلى القول بالكراهة كما ذهب إليه جمع من أهل العلم والمحققين.
وخلاصة الأمر: أن تعاطي الشيشة فيه من الأضرار المتراكمة، وإضاعة المال فيما لا طائل تحته، فإن لم يبلغ هذا التعاطي رتبة التحريم فإنه لا ينزل بحال عن رتبة «الكراهة الشديدة».
وعليه؛ فإننا نحث السائل الكريم وكل مُبْتَلًى بهذه العادة حثاً شديداً على الابتعاد عنها، وصيانة نفسه وماله، وحفظ بيئته ومن يعول من آثارها، ومن ترك شيئاً لله عِوَضَهُ الله خيراً منه.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
19 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 1 سبتمبر 2026 م