السؤال
فضيلة الشيخ الدكتور سيف العصري، حفظكم الله ونفع بعلمكم.
فتح صديقي محلاً تجارياً منذ ثلاث سنوات (مثلاً في ٩ سبتمبر)، وفتح محلاً ثانياً منذ سنة (في ١٥ أكتوبر). وهو يسأل: هل يجوز له أن يُخرج الزكاة عن كلا المحلين معاً في تاريخ ١٥ أكتوبر؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن إخراج الزكاة عن المحلين معاً في التاريخ المتأخر (15 أكتوبر) لا يجوز شرعاً، ونُجلِّي المسألةَ بالوقوف على ثلاثة أصول فقهية حاكمة:
الأصل الأول: الاعتبار بالحول القمري الهجري لا الشمسي، فيجبُ التنبيه أولاً إلى خطأ شائع يقع فيه كثير من التجار، وهو ربط حول الزكاة بالشهور الميلادية الشمسية (كسبتمبر وأكتوبر). والمقرر شرعاً بالإجماع أن الحول المعتبر في نماء الأموال ووجوب الزكاة هو الحول الهجري القمري (354 يوماً تقريباً). فالسنة الميلادية تزيد عن الهجرية بنحو أحد عشر يوماً، والاعتماد عليها يُفْضِي إلى تأخير الزكاة عن وقت وجوبها الشرعي في كل عام، وهو محرم.
فيجب على التاجر أولاً تحويل تاريخ بلوغ ماله النِّصاب إلى ما يقابله بالتقويم الهجري، واعتماده موعداً ثابتاً لحوله.
الأصل الثاني: استقلال الحول في المال المستفاد، فإذا فتح التاجر محلاً ثانياً برأس مالٍ جديد مستقل «وهو ما يُعرف بالمال المستفاد»، فإن هذا المحل الثاني يستقل بحولٍ خاصٍّ به؛ يبدأ من يوم بلوغه النصاب، ولا يُضَمُّ إلى حول المحل الأول.
أما إن كان المحل الثاني قد فُتح من أرباح المحل الأول ونمائه، فإنَّ ربحَ التجارةِ حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ، وعليه يزكي المحلين معاً في حول المحل الأول.
وبناءً على ظاهر السؤال، سنفترض أن المحل الثاني قد استقل برأس ماله.
الأصل الثالث: تحريم تأخير الزكاة وجواز تعجيلها، فالمقرر في مذهب السادة الشافعية وجمهور الفقهاء أن الزكاة تجب على الفور متى حال الحول وتم النصاب، ويأثم المكلف بتأخيرها لغير عذر شرعي معتبر (كغيبة المال، أو انتظار قريب، أو من هو أشد حاجة من الفقراء في مدة يسيرة).
وعليه؛ فإن حول المحل الأول يسبق المحل الثاني، فإذا انتظر التاجر إلى (15 أكتوبر) ليزكي المحلين معاً، فإنه يكون قد أخَّرَ زكاةَ المحلِ الأوَّلِ عن وقت وجوبها لأكثر من شهر، وهذا تأخير محرم ممنوع شرعاً.
المخرج الفقهي (طريقة توحيد الحول شرعاً):
إذا شَقَّ على التاجر تعدد الحسابات، وأراد توحيد موعد إخراج الزكاة لمتاجِرِهِ كلِّها في يومٍ واحدٍ لضبط دفاتره، فإن المخرج الفقهي الصحيح هو «تعجيل الزكاة» لا تأخيرها، وذلك بأن يختار التاريخَ الأقدمَ الذي هو تاريخُ حولِ المحلِّ الأوَّلِ.
فإذا جاء موعد زكاة المحل الأول، فإنه يُخْرِج زكاته الواجبة فيه، ويقوم في اليوم ذاته بجرد المحل الثاني ويُخْرِج زكاته مُعَجَّلَةً قبل تمام حولها. وتعجيل الزكاة قبل تمام الحول لمن كمل عنده النصاب جائزٌ وصحيح في المعتمد من مذهب الشافعية والجمهور.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
16 ربيع الأول 1448 هـ ، 29 أغسطس 2026 م