السؤال

السلام عليكم سيدي سيف علي العصري. أردت أن أسألكم سؤالاً بمناسبة ذِكر الإمام النووي رضي الله عنه، وهو: جواز الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء تقديماً أو تأخيراً بلا سبب وبلا عذر.
سيدي هل هذا القول صحيح في المذهب الشافعي؟ وما قول السادة الشافعية في هذه المسألة؟ خاصة أن الإمام النووي جوّز ذلك في شرحه على صحيح مسلم بشرط ألا يُتخذ عادة، وعند الحاجة. جزاكم الله خيراً.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن إقامة الصلاة والمحافظة على مواقيتها من أعظم شعائر الدين وأوكد فرائضه؛ فقد ضربَ الشارع الحكيم لهذه الشعيرة مواقيت لا تقبل التجاوز، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾. وقد تواترت السنة النبوية العملية بتفصيل هذه المواقيت، بوضع بدايات ونهايات لا يسع المكلف تعديها في أحواله الطبيعية.
وعليه؛ فقد انعقد الإجماع على أن إيقاع كل صلاة في وقتها المحدد هو العزيمة، وأن إخراج الصلاة عن وقتها عمداً بغير عذر يُعد انتهاكاً لحرمة الوقت ومخالفة لأمرِ الشرعِ.
ومع هذا الضبط للمواقيت، فإن الشريعة الغراء واقعية، تتعاطى مع الإنسان بما جُبلَ عليه من الضعفِ، وما يعتريه من العوارض.
ومن هاهنا، انفتح في الفقه الإسلامي باب الرخص؛ الذي تتجلَّى فيه رحمةُ الله بعباده، كما يعكس مرونة الشريعة على استيعاب الاستثناءات دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج.
وقد شرع الإسلام الجمع بين الصلاتين تقديماً وتأخيراً للتعاطي مع تلك العوارض كالسفر والمطر.
ولتحرير القول في الجمع لمطلق الحاجة في الحضر، نستعرض المسألة من سبعِ جهاتٍ:
الجهة الأولى: أصل المسألة وعمدتها في السنة النبوية، ومدارها على أثر صحيح، لا مجال للغمز في سنده، خرَّجه الإمام مسلم في صحيحه، عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر». ورواه بهذا اللفظ مالكٌ في الموطأ، والشافعي في المسند، وأبو داود في سننه.
وفي لفظٍ عند مسلمٍ عن عبد الله بن عباس قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر». قال أبو الزبير: فسألت سعيدا لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أنْ لا يحرج أحداً من أمته.
وهو في مسند الإمام أحمد بلفظ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة، من غير خوف ولا مطر. قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. فذكر المطر محلَّ السفر.
وورد الحديثُ بدونِ نفي الخوف والمطر والسفر، كما في لفظ البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر، والمغربَ والعشاءَ. فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى».
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا، قلت: يا أبا الشعثاء، أظنه أخَّرَ الظهرَ وعجَّلَ العصرَ، وعجَّلَ العشاءَ وأخَّرَ المغربَ؟ قال: وأنا أظنه».
الجهةُ الثانيةُ: النظرُ في متنِ الحديث، وقد أعمل الراوي «السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ»، فنفى صراحةً الأعذار المعهودة التي تُبيح الجمع عادةً، فاستبعدَ السفر ليقرر الإقامة، ونفى الخوف ليثبت الأمن، ونفى المطر ليقطع تأويله بالعوارض الجوية.
ولمَّا جَرَّدَ الحادثة من عِلَلها المألوفة الخاصة، أناط الحكم بعلةٍ كليةٍ عامةٍ وهي: «نَفْيُ الحَرَجِ».
الجهة الثالثة: استعظم جمهور الفقهاء من مختلف المذاهب إقرار ظاهر هذا الحديث، حذراً من فتح ذريعةٍ تُفضي إلى تضييع الصلوات عن أوقاتها، فتأولوه، وصرفوه عن ظاهره المتبادر بناءً على قاعدة «حمل النصوص على المعهود الغالب»، وتنوعت مسالكهم على أربع اتجاهاتٍ:
الاتجاهُ الأولُ: دعوى النسخ، ورُدَّ بأنَّ النسخ لا يثبت بالاحتمال مع إمكان الجمع.
الاتجاهُ الثاني: حمْلُهُ على حال المرضِ، ذهب إليه الإمام أحمد، وجماعة من أئمة الشافعية كالخطابي في معالم السنن، والمتولي. وهو منقوضٌ بأن ابن عباس علل بنفي الحرج مطلقاً، ولم يخصصه بالمرض، ولأنه يَبْعُد أن يكون جميع من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد مرضى.
الاتجاه الثالثُ: التأويل بالمطر: سلكه الإمام مالك وعلماء المدينة، ولا ينسجمُ هذا التأويل مع رواية مسلم التي فيها نفي المطرِ: «مِنْ غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ».
الاتجاهُ الرابعُ: حملُ الحديثِ على أنه «جمعٌ صوريٌ»، وذهب إليه الحنفية، وهو تأخير الصلاة الأولى لآخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها.
وقد تعقبه المحققون كابن حجر والنووي بالنقض؛ مبينين أن العلة التي صرَّح بها ابن عباس «نفي الحرج» تقدح في هذا التأويل، لأن ترصد الفاصل الدقيق بين الوقتين هو عين المشقة.
الجهة الرابعة: بموازاة مسالك التأويل السابقة، اختارُ بعضُ الأئمةِ إبقاءَ الحديثِ على ظاهرهِ، فأجازوا الجمع بين الصلاتين في الحضر تقديماً أو تأخيراً، لمطلق الحاجة الطارئة لمن لا يتخذهُ عادةً.
وممن قال بهذا من التابعين ومجتهدي السلف: الإمام محمد بن سيرين، وابن شبرمة، وربيعة الرأي، وقال به من أساطين المالكية: الإمام أَشْهَب بن عبد العزيز، ومن كبار فقهاء الشافعية: القَفَّال الشاشي الكبير، وأبو إسحاق المروزي، والإمام أبو بكر بن المنذر.
الجهة الخامسة: اختيارُ الإمام النووي، توسَّعَ الإمامُ النووي في شرح الحديث، وذكر أنظارَ العلماءِ فيه، وقالَ: «ومنهم من قال هو محمول على الجمع بعذر المرض ... وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث، ولفعل بن عباس، وموافقة أبي هريرة، ولأن المشقة فيه أشدُّ من المطر». فصرَّحَ باختيارِ هذا.
وقال عن الرأي الذي يُجيزُ الجمعَ لمطلقِ الحاجةِ: وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة ... ويؤيده ظاهر قول بن عباس: أراد أنْ لا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره». ولم يصرحْ باختياره.
الجهة السادسة: اشترطَ المجيزون للجمعِ أنْ لا يُتَّخَذَ عادةً، وأنَّ الأصلَ هو التوقيت، والرخصة استثناء لرفع الحرج؛ فلو استُبيحت لتُتخذ عادةً راتبةً لابتلع الاستثناءُ الأصلَ.
كما أن هذا القيد يوفِّقُ بين وعيدِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن يجمع بغير عذر، وبين رخصة ابن عباس؛ فمن اتخذه ديدناً وتساهلاً وقع في الوعيد، ومن ضاقت به السبل فجمع مراتٍ معدودة في الملمات فقد أصاب الرخصةَ.
الجهة السابعة: هذا القولُ يُسعفُ أهلَ المهن الشاقة، كالطبيب الجرَّاح، أو العاملين في غرف الطوارئ الأمنية والعسكرية ممن يمنعهم مناط عملهم من ترك مواقعهم، والطلاب الذين يُمتحنون في فترات زمنية متصلة تستهلكُ كاملَ وقت الصلاة، ولا يُسمح لهم بالمغادرة، فيكونُ هذا القولُ رخصةً لهم.
كما يمكن أنْ يكونَ هذا القولُ مُتنفَّساً في الدول التي يختل فيها ميزان الليل والنهار جغرافياً شتاءً، وتتقارب أوقات الصلوات، بحيثُ يصعب أداؤها منفصلة في بيئة عمل غير إسلامية.
وهو مخرجٌ للنساء في الأماكن العامة أو وسائل النقل المستمرة، ولا تجد مكاناً ساتراً وطاهراً لتجديد الوضوء بحشمة.
والخلاصة: القول المعتمد المعمول به في المذهب الشافعي ومذاهب الجمهور هو: المنع من الجمع للمقيم إلا بعذرٍ من الأعذار المنصوصة «كالسفر والمطر والمرض».
غير أن القول بجواز الجمع للحاجة والشغل الطارئ -مِنْ غيرِ أنْ يُتخذَ عادةً- هو قولٌ فقهيٌّ معتبرٌ، واضحُ المأخذ، قال به جَهَابِذَةٌ من أئمة الشافعية وغيرهم، وتدعمه قاعدةُ رفع الحرج.
وعليه؛ فمن نزلت به حاجةٌ طارئة، أو شغلٌ قاهر يخشى معه فوات الصلاة، فله أن يترخص بهذا القول القوي، فيجمع بين الصلاتين تقديماً أو تأخيراً، بشرطِ ألا يُتخذ ذلك ديدناً وعادةً مستمرة تُفضي إلى تضييعِ المواقيت.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
13 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 26 أغسطس 2026 م

عرض الفتوى في المصدر الرسمي