السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ، حفظكم الله تعالى وبارك في علمكم ونفع بكم الإسلام والمسلمين.
لدينا سؤالٌ نرجو من فضيلتكم التكرُّم ببيان الحق فيه وإفتائنا بشأنه؛ إذ قد وقع بيننا بسبب هذه المسألة نزاعٌ وجدالٌ شديد، وافترق الإخوة من أهل السنة فيها إلى فريقين، ونلتمس من فضيلتكم بيانًا شافيًا واضحًا يحسم هذا الخلاف.
والمسألة هي: ما هو القول المعتمد في المذهب الشافعي في حكم «المُجَسِّم غير المُصَرِّح»؟
هل المعتمد في المذهب هو عدم تكفيره؟ أم أنَّ المسألة محلُّ خلافٍ معتبر، بحيث يسوغ فيها لكلِّ أحدٍ أن يعمل بما ترجح عنده، فيُكَفِّر أو لا يُكَفِّر، ولا يُنكَر على أحد الفريقين؟
وبيان القولين عندنا:
الفريق الأول: يرى أن القول المعتمد والمستقرَّ عليه في المذهب الشافعي هو عدم تكفير المُجَسِّم غير المُصَرِّح.
الفريق الثاني: يرى أن المسألة محلُّ خلاف، وأنَّ لكلِّ شخصٍ أنْ يتبعَ ما ترجَّحَ لديه، فيُكَفِّر أو لا يُكَفِّر، ولا ينبغي لأحد الفريقين أن يُنكِر على الآخر.
فنرجو من فضيلتكم التكرُّم ببيان القول المعتمد في المذهب الشافعي في هذه المسألة، مع شيءٍ من التفصيل والإيضاح إن تيسَّر. جزاكم الله خير الجزاء، وبارك في علمكم، ونفع بكم الإسلام والمسلمين.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد تأملتُ ما أوردتموه من النزاع، والحق الذي لا ينبغي العدول عنه، والذي استقر عليه تحرير أئمة المذهب وهو المعتمد؛ عدم تكفير المُجَسِّم غير المُصَرِّح بلوازم الجِسْمِيَّة.
وأن هذه المسألة ليست حِمًى مَبَاحًا لآحَاد الطلبة أو العوام ليختاروا منها ما وافق أهواءهم بحجة الخلاف، بل الأصل في شريعتنا المطهرة هو صِيَانَة دِيَانَة المسلم، وعِصْمَة عقيدته، وحمل كلامه على أحسن المحامل.
ودوَاوِينُ المذهب المُعْتَمَدَة، التي عليها المُعَوَّل في الفتوى، تنصُّ على ما قلناه، واتفق الأئمة المحققون على أن إِكْفَار المُجَسِّم إنما يقع على من صَرَّحَ بلوازم الجِسْمِيَّة التي تناقض التَّنْزِيه إجماعًا «كإثبات التَّرْكِيب، واللون».
أما من أطلق لفظ الجسم أو أثبت الجهة دون أن يلتزم بتلك اللوازم الباطلة؛ فإنه لا يكفر، عملاً بالقاعدة: «لازم المذهب ليس بمذهب».
قال الإمامُ بدر الدين الزركشي في «تشنيف المسامع» نقلا عن ابن القشيري في كتابه «المرشد»: «فمن كان من أهل القبلة وانتحل شيئا من البدع كالمجسمة والقدرية وغيرهم هل يكفر؟ للأصحاب فيه طريقان وكلام الأشعري يشعر بهما وأظهر مذهبيه ترك التكفير، وهو اختيار القاضي، ومن قال قولا أجمع المسلمون على تكفير قائله أو فعل فعلا أجمعوا على تكفير فاعله كفرناه وإلا فلا». تشنيف المسامع بجمع الجوامع (4/ 803).
قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في «تحفة المحتاج بشرح المنهاج» في كتاب الرِّدَّة: «أو أثبت له ما هو مَنْفِيّ عنه إجماعًا كاللون أو الاتِّصَال بالعالم أو الانفِصَال عنه، فمُدَّعِي الجِسْمِيَّة أو الجهة إن زَعَمَ واحداً من هذه كَفَرَ، وإلا فلا؛ لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب».
وقال الإمام الخطيب الشربيني رحمه الله في «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج»: «تنبيه: اختلف في كُفْر المُجَسِّمَة؛ قال في المهمات: المشهور عدم كفرهم... قال الزركشي في حاشيته: وعبارة شرح المهذب: من جَسَّمَ تَجْسِيمًا صَرِيحًا، وكأنه احْتَرَزَ بقوله: "صَرِيحًا" عمن يثبت الجهة فإنه لا يُكَفَّر كما قاله الغزالي، وقال الشيخ عِزّ الدِّين: إنه الأَصَحّ، وقال في قواعده: إن الأشعري رَجَعَ عند موته عن تكفير أهل القبلة؛ لأن الجَهْل بالصفات ليس جَهْلًا بالمَوْصُوفَات».
وقال العلامة البجيرمي في حاشيته على شرح المنهج: «والمعتمد في المجسمة عدم التكفير. اهـ. ز ي أي ما لم يجسم صريحا وإلا بأن قال: إن الله جسم كالأجسام فيكفر كما قرره شيخنا، والجهوي القائل: إن الله في جهة لا يكفر، وإن لزم من الجهة الجسمية؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب».
ومما ينبغي تقريره في هذا المقام: أنه لا يسوغ لمن قَصُرَتْ بِضَاعَتُهُ عن رتبة «التَّرْجِيح» أن يقتحم لُجَج هذا الباب، فكيف بمن ينصب نفسه قَاضِيًا يفتش في عقائد الناس ويحكم في إيمانهم وكفرهم؟!
فالواجب الأكيد على الإخوة المتنازعين إدراك منزلتهم العلمية، واليقين بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في المذهب حتى يَتَسَوَّرُوا مِحْرَاب التَّرْجِيح في مسائل التكفير الخطيرة، فينبذوا القول المعتمد المحرر، ويتعلقوا بالأقوال الضعيفة أو الشَّاذَّة أو المهجورة.
فالأصل عِصْمَة دماء المسلمين، وصِيَانَة ديانتهم، والحذر من إهْدَار إسلامهم بمجرد اللوازم أو الاحتمالات.
وإذا تقابل في المذهب قولان: أحدهما معتمدٌ مستقر يعصم دماء المسلمين ويحفظ عليهم ديانتهم، والآخر بخلافهِ، فبأي مسوغٍ شرعي يَجْنَح البعض إلى القول المُكَفِّر؟!
ومن ترك المُعْتَمَد الذي يُصُون عقائد المسلمين وجَنَحَ مُخْتَارًا إلى التكفير فقد فَارَقَ الوَرَع، فالوَرَع المحمود ليس بالتَّجَرُّؤ على إخراج المُصَلِّين من المِلَّة بدعوى الاحتياط -كما قد يُوَسْوِس به الشيطان-، بل الوَرَع الحق هو كَفُّ اللسان، والإمساك عن تكفير من أَقَرَّ بالشهادتين، والوقوف عندَ ما قرَّرَهُ المحققون، وارتضاهُ أَسَاطِينُ المذهب حِمَايَةً للأمة من التَّمَزُّق والتَّشَرَّذُم.
وقد جَلَّى حُجَّة الإسلام الغزالي رحمه الله هذا المعنى حين قال: «والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة؛ أَهْوَن من الخطأ في سَفْك مِحْجَمَة من دم مسلم».
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
12 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 25 أغسطس 2026 م

عرض الفتوى في المصدر الرسمي