السؤال
أحسن الله إليكم شيخنا وجزاكم خيراً. لدي أسئلة بحثت عن إجابتها منذ زمن طويل، ولم أجد بغيتي:
الأول: لِمَ يعبر ساداتنا الأشاعرة تارة بـ «المحال» وتارة بـ «المستحيل»؟ فهل بينهما فرق؟
الثاني: لماذا يعتبر الأشاعرة في كتبهم أن «الوجود» من صفات الله حقيقة، بينما إمامهم الشيخ أبو الحسن الأشعري يرى أن الوجود هو عين الذات أو الموجود؟
الثالث: لماذا نقول: «الله موجود» (بصيغة اسم المفعول)، بينما نعبر عن باقي صفاته كالقدرة والحياة والإرادة بـ «قدير، مريد، حي» بصيغة اسم الفاعل؟ أليس اسم المفعول يدل على من وقع عليه الفعل؟ أفتونا مأجورين.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأقولُ مستعينا بالله:
المسألة الأولى: الفرق بين «المحال» و«المستحيل»
لا يوجد فرقٌ اصطلاحيٌّ ولا اعتقادي بين لفظي «المحال» و«المستحيل» عند ساداتنا الأشاعرة ولا عند المناطقة؛ فهما مترادفان يعبران عن حقيقة واحدة، وهي: «ما لا يُتَصَوَّرُ في العقل وجوده».
وإنما اختلافهما من باب التفنن اللغوي في الاشتقاق؛ فكلمة «مُحال» اسم مفعول من الفعل الرباعي «أحال»، وكلمة «مستحيل» اسم فاعل من الفعل السداسي «استحال». واستعمالهما يتناوب في كتب العقائد بحسب السياق وجريان القلم، ولا يُقصد بهما أي تفريق في الماهية.
المسألة الثانية: حقيقة صفة «الوجود» بين الإمام الأشعري والمتأخرين، وبدايةً، يجب تقرير أصلٍ منهجيٍّ؛ وهو أن الإمام أبا الحسن الأشعري رحمه الله وإن كان إمامَ المذهب، وله قصب السبق والفضل في تحرير العقائد، إلا أنه ليس معصوماً، بل هو إمامٌ مُجْتَهِد، يُوافَقُ ويُخالَفُ بناءً على ما يؤدي إليه الدليل والنظر. ولذلك لم يتردد بعض أئمة المذهب المتأخرين في مخالفته في مسائل معدودة استناداً إلى براهينهم العقلية والنقلية، وهذا من دلائل الإنصاف والحياةِ في المذهب.
أما في خصوص الزعم بأن الأشاعرة المتأخرين قد خالفوه في مسألة إثبات «الوجود» صفةً، فهو زعمٌ يفتقر إلى استيعاب المدارك الكلامية والاصطلاحية.
فالمذهب في هذه المسألة متسقٌ متين، والأشاعرة لم يخالفوا إمامهم؛ إذ المُقَرَّر عند الإمام الأشعري أن «الوجود عين الموجود»، وليس أمراً زائداً على الذات في الخارج.
ولكشف هذا اللبس، ينبغي تحرير مأخذ المتأخرين في عَدِّ الوجود «صفةً»، وهو مبني على توجيهات جلاَّها الأئمة المحققون، كالإمام السعد التفتازاني والدسوقي والبَيْجُوري، وتتلخص في مسلكين:
المسلك الأول: إبقاء مقولة الإمام «الوجود عين الموجود» على ظاهرها، وعليه؛ فإن عَدَّ المتأخرين للوجود «صفة» هو من باب «التسامح اللفظي»؛ لأنه إنما يقع وصفاً في مجرد اللفظ والعبارة، كأن يقال: «الله موجود»، فاسْتُعْمِل لفظ الصفة مجازاً لمجرد الإخبار، ولا يقتضي ذلك ثبوت معنى زائد على الذات.
المسلك الثاني: مسلك المحققين، وهو أن مراد الإمام الأشعري بالعينية ليس نفي المغايرة مطلقاً، بل المراد: أن الوجود «ليس أمراً زائداً على الذات». وهذا لا ينافي كونه «أمراً اعتبارياً» يُعْقَل في الذهن مغايراً للذات.
وعلى هذا التحقيق؛ فإنه لا يكون في عَدِّ الوجود «صفة» أيُّ تسامح؛ لأن اصطلاح الصفة يكفي فيه مجرد المغايرة الاعتبارية للموصوف في الذهن، وإن لم تكن الصفةُ زائدةً في الخارج.
ويدل على ذلك إجماعهم على عَدِّ السُّلوب (كالقِدَم والبقاء) صفاتٍ، مع أنها ليست معاني زائدة على الذات.
أما ما ذهب إليه الإمام فخر الدين الرازي من أن الوجود «غير الموجود»، وعرَّفهُ بأنه «الحال الواجبة للذات غير المعللة بعلة»، فقد رجَّح عدد من المحققين أن الخلاف بينه وبين الإمام الأشعري هو خلافٌ لفظي؛ فكلام الأشعري محمولٌ على أن الوجود ليس زائداً في الخارج، فلا ينافي أنه «حال» عندَ مَنْ يقولُ بالحالِ، أو «اعتبار» في الذهن كما أراد الرازي.
المسألة الثالثة: تحرير إطلاق لفظ «موجود» بصيغة اسم المفعول في حق الله تعالى، وهذا الإشكال الصرفي يتردد كثيراً في أذهان طلاب العلم؛ ظناً منهم أن كل اسم مفعول يقتضي حتماً فاعلاً خارجياً أوقع عليه الفعل.
وجوابه ينتظم في أصلين:
الأصل الأول: أنَّ الفعل المأخوذ منه لفظ الوجود هو «وَجَدَ»، وهو في لسان العرب يتسع للدلالة على العلم والإدراك والثبوت والتَّحقُّقِ، وليس محصوراً في معنى الإحداث.
ومن المتقرر عند أئمةِ العربية أن العرب قد تصوغ الكلمة على وزن «مَفْعُول» لإرادة «الثبوت واللزوم» المجرَّد، دون استلزامِ وجودِ فاعلٍ أوقعَ الفعلَ؛ كقولهم: «رجلٌ مَيْمُون، ومَشْؤُوم»، وكقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. وعليه؛ فإن إطلاق لفظ «موجود» في حقه تعالى إنما يعني: «الثابت، والمتحقق، والمعلوم كمالُه بالبصائر، ولا يستلزم فاعلاً أوجده.
الأصل الثاني: إنما اشتهر استعمال المتكلمين للفظ «موجود» لضرورة المقابلة المنطقية؛ فلما كانت القسمة العقلية تقتضي مقابلة الثبوت بالنفي، وكان النفي المحض يُعبر عنه بلفظ «مَعْدُوم» على وزن مفعول، ناسب أن يُعبر عن الثبوت المحقق بلفظ «مَوْجُود» على ذات الوزن طرداً للباب، وسداً لذريعة التعطيل.
وهذا الإطلاق يندرج تحت القاعدة الاعتقادية: «باب الإخبار أوسع من باب الأسماء»؛ فيجوز الإخبار عنه سبحانه بأنه «موجود» و«قديم» إثباتاً لتحققه المطلق، وإن لم تَرِد هذه الألفاظ كأسماء توقيفية.
تنبيه:
يجب على طالب العلم ألا يخلط بين لفظين يفصل بينهما بونٌ شاسع:
الأول: «مَوْجُود» بفتح الميم وسكون الواو، مشتق من الثلاثي «وَجَدَ»، وهو يفيد الثبوت المطلق، وهو جائز الإطلاق إخباراً كما أسلفنا.
الثاني: «مُوجَد» بضم الميم وفتح الجيم، مشتق من الرباعي «أَوْجَدَ»، ومعناه: المخلوق المبتدع الذي أخرجه غيره من العدم. وهذا محالٌ وباطلٌ في حق الله تعالى لافتقاره إلى خالق!
ومن أسمائهِ تعالى «الواجد» بصيغة اسم الفاعل؛ والذي يعني الغنيَّ المطلق الذي لا يفتقر، والقديرَ الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعجزه مطلوب.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
12 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 25 أغسطس 2026 م