السؤال
حياكم الله شيخنا الفاضل. تتكرر عندنا في إسطنبول مسألة، وهي أن تعقد أنكحة لبعض المغتربات عن طريق شيخ «عقد شرعي غير موثق في دوائر الدولة».
ثم يحصل شقاق، فيسافر الزوج أو يبتعد ويترك الزوجة كالمعلقة؛ يمتنع عن الطلاق ولا يقبل بالخلع. وفي الوقت ذاته لا تستطيع الزوجة اللجوء للمحاكم التركية لأن العقد غير معترف به لديهم، ولا تستطيع السفر لبلدها لظروف الإقامة وجوازات السفر. فكيف السبيل شرعاً لتخليص هذه المرأة من زوجها ورفع الضرر عنها؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الإضرار بالزوجة وتركها معلقة لا هي ذات زوج، ولا هي مطلقة تستطيع أن تبدأ حياة جديدة؛ يعد من الظلم وكبائر الذنوب التي نهى الله عنها بقوله: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231].
والأصل في مثل هذه النزاعات أن ترفع إلى القضاء الشرعي ليفصل فيها، ولكن لما كانت هذه العقود غير موثقة رسمياً، وتعذر على الزوجة اللجوء للمحاكم المدنية في بلد إقامتها أو السفر لبلدها، فإن الشريعة الغراء لا تترك صاحبة الحق دون مخرج.
وقد نصَّ المالكيةُ على أنَّ جماعة المسلمين العدول، ولجان الفتوى المعتبرة، يقومون مقام الحاكم في ذلك، وفي كل أمر يتعذر الوصول إلى الحاكم أو لكونه غير عدل.
وبناءً عليه؛ فإن الحل الشرعي العملي لهذه المرأة وأمثالها يكمن في الخطوات الآتية:
أولاً: على الزوجة أن ترفع مظلمتها إلى إحدى اللجان الشرعية المعتمدة، أو مجالس الصلح والتحكيم التابعة لروابط العلماء الثقات في إسطنبول، وتثبت أمامهم عقد الزواج بالشهود أو الإقرار.
ثانياً: تقوم هذه اللجنة الشرعية بالتواصل مع الزوج الغائب بأي وسيلة اتصال متاحة، وتأمره بتقوى الله، وتخيره بين الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان. وتضرب له أجلاً ومدة محددة للرد وتصحيح الوضع.
ثالثاً: فإن انقضت المهلة، وأصر الزوج على تعنته وغيابه، وامتنع عن الإنفاق والطلاق، فحينئذ تمتلك هذه اللجنة الشرعية صلاحية الحكم بفسخ النكاح ورفع الضرر عن المرأة؛ عملاً بالحديث الشريف: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وهذا الفسخ يعد فسخاً شرعياً نافذاً يقوم مقام القضاء.
رابعاً: متى ما أصدرت اللجنة قرارها بفسخ العقد، فإن الزوجة تشرع في العدة الشرعية فوراً، فإذا انقضت عدتها بانت من زوجها، وحلت للخطاب.
وهذا يرفع الحرج والمشقة عن المسلمات، وفيه سد لذريعة الظلم. ونوصي عموماً بضرورة توثيق العقود في الدوائر الرسمية ما أمكن حفظاً للحقوق وصيانة للأعراض.
والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
8 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 21 أغسطس 2026 م