السؤال

هل يمكنني طلب توضيح يسير حول المقصود الأساسي عند المتكلمين الأشاعرة في بحثهم عن «السكوت النفساني» بأنه: تركُ التكلُّم مع القُدرة، أو بأن لا يُريد في نفسه التكلُّم، ثم جعلوا «البكم النفساني» على أنه: لا يقدر على ذلك؟ فهل يصح أن يُقال –بالمقابلة أو بمفهوم المخالفة لذلك التعريف بالبكم النفساني– في صفة الكلام النفسي لله تعالى: إنه الملكةُ على التكلم، أو قدرةٌ على الكلام، أو اقتدارٌ على إرادة الكلام؟
ثم هل يصح أن يُقال: إن التعلق التنجيزي لصفة الكلام النفسي القديم –بالمقابلة أو بمفهوم المخالفة لذلك التعريف بالسكوت النفساني– هو إرادةُ التكلم، أو إعدادٌ وتدبيرٌ للكلام؟
بعض من ينتسب إلى الأشاعرة في بلادنا يُفسِّر الكلام النفسي وتعلقه القديم بمثل هذا التفسير. والسؤال: هل هذا التفسير صحيح في مذهب الأشاعرة والماتريدية؟ جزاكم الله تعالى خير الجزاء.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن هذا السؤال الوارد يَنُمُّ عن غوص في دقائق علم التوحيد، زادك الله توفيقا وتسديداً، والجواب إجمالاً:

أن التفسير الذي ذكرتَه عن بعض المنتسبين للأشاعرة في بلادكم هو تفسير باطلٌ، ومخالفٌ لمذهب السادة الأشاعرة والماتريدية قاطبة، وفيه خلط بين صفات (القدرة) و(الإرادة) و(الكلام)، بل هو ميلٌ غير خافٍ إلى مذهب المعتزلة ونفاة الصفات من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

ولتحرير هذه المسألة وتجلية الحق فيها، نورد الجواب مفصَّلاً في مقامين:

المقام الأول: في حقيقة الكلام النفسي وبطلان تفسيره بالملكة أو القدرة، وذلك أنَّ السادة الأشاعرة والماتريدية حينما أثبتوا «الكلام النفسي» القديم القائم بذات الله تعالى، أثبتوه على أنه: صفة وجودية أزلية قائمة بالذات، مباينة للقدرة والإرادة والعلم، منافية لآفة البكم وللصمت والسكوت.
أما تفسير هذه الصفة بأنها مجرد «الملكة على التكلم» أو «القدرة على الكلام»، فهو نقضٌ لأصل المذهب؛ وذلك لِما يلي:

أولاً: أن القدرة تعلقها التأثير والإيجاد، والكلام تعلقه الدلالة والتبيين، فهما متغايران.

فلو كان الكلام هو «القدرة على التكلم» لكانت صفة الكلام مندرجة في صفة القدرة، ولما كان الله متكلماً حقيقة في الأزل، بل «قادراً على أن يتكلم»! وهذا يؤول إلى نفي صفة الكلام، والرجوع إلى القول بحدوثه، وهو مذهب المعتزلة.

ثانياً: أن مفهوم المخالفة لتعريف «البكم» (بأنه العجز عن الكلام) لا يقتضي أن يكون الكلام هو «القدرة»؛ بل يقتضي أن الله منزه عن العجز، وأن له صفةً وجوديةً حقيقيةً يصح بها أن يُسمى «متكلماً»، وتلك الصفة هي «الكلام النفسي» المغاير للقدرة مفهوماً وتعلقاً. فالله متكلم بكلام، وقادر بقدرة، وليس أحدهما عين الآخر.

المقام الثاني: في معنى التعلق التنجيزي القديم لصفة الكلام، فالقولُ بأن التعلق التنجيزي لصفة الكلام هو «إرادة التكلم» أو «إعداد وتدبير للكلام»، هو قول ظاهر الفساد أيضاً، ويُنتَقَض من أوجه:

الوجهُ الأولُ: أن «الإرادة» صفة أخرى غير الكلام، شأنها التخصيص، فكيف يُفسَّر تعلق الكلام بها؟! هذا تداخلٌ في الصفات لا يقول به محقق.

الوجهُ الثاني: أنَّ «الإعداد والتدبير والتروي» من سمات الحوادث والمخلوقين التي تسبق أفعالهم زماناً، والله منزه عن التروي وتدبير الأفكار وترتيب المعاني؛ لأن ذلك يستلزم الحدوث والتعاقب والتغير في الذات العلية، وهو محال.

والتحقيق عند الأشاعرة أن لصفة الكلام تعلقا تنجيزيا قديما، وهو دلالته في الأزل على جميع الأمور، ما عدا الأمر والنهي، وتعلقا صلاحيا قديما، ثابتا باعتبار الأمر مثلا قبل وجود المخاطبين بصفة التكليف، وتعلقا تنجيزيا حادثا، باعتبار الأمر مثلا عند وجود المخاطبين بصفة التكليف.

والخلاصة أيها الأخ السائل: أنَّ الحق الذي عليه أئمتنا أن الله جل جلاله متكلمٌ بكلام نفسي أزليٍّ، قائم بذاته، ليس بحرف ولا صوت، وليس مجردَ قدرة أو إرادة. فاحذروا من هذه التقريرات الدخيلة على مذهب أهل التحقيق. والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
5 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 18 أغسطس 2026 م

عرض الفتوى في المصدر الرسمي