السؤال
شيخنا الكريم، أشكل عليَّ أنَّ الدولة الفاطمية الشيعية هي التي ابتدعت المولد، وهم من حرّفوا الدين.
وثانياً: حديث النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ ينص على أن «كل بدعة ضلالة، وإن ظنها الناس حسنة». فكيف نرد على هذا الكلام؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
حَيَّا الله حرص السائل على السنة، والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن ما أحدثه العبيديون الفاطميون في مصر لم يكن احتفالاً بالمولد النبوي فحسب، بل أحدثوا ستة موالد سياسية «مولد النبي، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والخليفة الحاضر»، وكان مقصدهم استمالة العوام وتثبيت دعائم دولتهم، فلما زالت دولتهم زالت تلك الموالد.
أما المولد النبوي الذي استحسنه علماء أهل السنة والجماعة، وجرى عليه عملهم، فقد أحدثه الملك السني الصالح، والمجاهد العظيم المُظَفَّر أبو سعيد كُوكُبُرِي صاحب إربيل في أواخر القرن السادس وأوائل السابع، وكان رجلاً خَيِّراً، شجاعاً، بطلاً، سُنِّيّاً، أثنى عليه الحافظ ابن كثير، والإمام الذهبي، وابن خَلِّكَان، وألّف له الحافظ ابن دِحية كتاباً في المولد، فنسبة عمل أهل السنة اليوم إلى الفاطميين مغالطة تاريخية.
ثانياً: لو تنزلنا جدلاً وقلنا إن الفاطميين هم أول من فعله، فإن القاعدة عند الأصوليين والفقهاء: أن الفعل يُحكم عليه بحقيقته وذاته وموافقته لأدلة الشرع، لا بمن ابتدأه أو باشره.
فإن الفاطميين أو غيرهم من طوائف المبتدعة، إذا فعلوا فعلاً تنضوي مفرداته تحت كليات الشريعة كإطعام الطعام، وقراءة القرآن، وسرد السيرة النبوية، والصلاة على النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، فلا يجوز لنا أن نحرِّم هذه القُرُبات الثابتة في الشريعة بمجرد أن مبتدعاً فعلها! أرأيت لو أن طائفة مبتدعة ضالة أسست داراً لكفالة الأيتام وتلاوة القرآن، هل نقول: كفالة الأيتام بدعة ضلالة لأن مبتدعاً فعلها؟! هذا خلل عظيم في ميزان الفقه؛ فنحن نردُّ على المبتدعة بدعهم في العقائد وما خالفوا فيه الشرع، ولا نترك ما وافق الشرع من أفعالهم نِكَايَةً فيهم.
الوجه الثاني: أما الاستدلال بالحديث العظيم: «كل بدعة ضلالة»، فهذا الحديث حقٌّ لا ريب فيه، ولكنّ الشأن في فهمه على مراد قائله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، وفق لسان العرب وقواعد الأصول، لا بفهم العوام، وهنا أمورٌ:
أولها: لفظة (كل) في لغة العرب وفي علم الأصول لا تقتضي دائماً «الاسْتِغْرَاق الكُلِّي المُطْلَق»، بل تأتي كثيراً بمعنى «العَامّ المَخْصُوص» أو «العام الذي أريد به الخصوص». ألم تقرأ قول الله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾؟ فهل دمَّرت السماوات والأرض والجبال؟! لا، بل دمّرت كل شيء أُمرت بتدميره.
ثانيها: قوله صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ: «كل بدعة ضلالة»، معناه عند الرَّاسِخِين في العلم: كل بدعة خالفت أصول الشريعة وصادمت نصوصها فهي ضلالة، ولذلك قعَّدَ الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله هذا الباب تقعيداً يقطع النزاع، حيث قال:
«المُحْدَثَات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أُحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة».
وقد طبّق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الفهم حين جمع الناس على إمام واحد في التراويح، وقال كلمته الشهيرة: «نِعْمَ البدعةُ هذه».
وكذلك جمعُ القرآن في المصاحف، ووضع النقط عليه، وتصنيف علوم النحو والأصول، وبناء المحاريب؛ كلها أمور مُحدثة لم يفعلها النبي صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ، لكنها لما اندرجت تحت كليات الشريعة المقاصدية كانت حسنةً محمودة.
ثالثها: زيادة (وإن ظنها حسنة) ليست من الحديث المرفوع، بل هي أثر مروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وهو محمولٌ باتفاق أهل التحقيق على «البدع الحقيقية» التي تخالف الشرع، أو البدع الإضافية في العبادات التَّوْقِيفِيَّة المحضة كزيادة ركعة في صلاة، أو تغيير صيغة أذان.
أما المولد النبوي، فهو ليس صلاةً مفروضة، ولا نسكاً مقيداً، بل هو كما كررنا مراراً وسيلةٌ وظرفٌ زمني لاجتماع الناس على قُرُباتٍ مشروعةٍ بأدلةٍ عامة ومطلقة كذكر الله، والصلاة على رسوله، وإطعام الطعام. وما جُمع من خير، فهو خير.
الخلاصة: من أراد أن يتكلم في هذه المسائل، فعليه أن يقرأ في أصول الفقه، وأن يدرك مقاصد الشريعة، وليطالع إن شاء كتابنا «البدعة الإضافية» ليرى كيف فرَّق جهابذة الأمة بين إحداث عبادة تَوْقِيفِيَّة جديدة تصادم الدين «وهي المذمومة»، وبين اتخاذ الوسائل والمناسبات لتنشيط النفوس على طاعات ثابتة في أصل الشرع «وهي المحمودة». نسأل الله تعالى أن يهدينا للحق، وأن يرزقنا سعة الفهم والإنصاف. والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
4 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 17 أغسطس 2026 م