السؤال

شيخنا الكريم، لدي سؤال عن العبارة التي ذكرها الإمام ابن زكري رحمه الله في منظومته العقدية وهي: «الفعل للذات بذي الصفات». فما شرح وتفصيل معاني هذه العبارة؟ وما معنى حرف "الباء" وكلمة "ذي" هنا؟ أفتونا مأجورين.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد وقفتَ أيها السائل الكريم على دقيقةٍ من ألطف دقائق علم الكلام، وهي مسألة «إسناد الأفعال والتأثير». وعبارة الإمام ابن زكري رحمه الله: «والفِعْلُ للذاتِ بذي الصفاتِ»، هي خلاصةٌ جامعةٌ لمذهب أهل التحقيق، وتجلية معانيها تتضح من خلال ما يلي:

أولاً: الباء في الأصل هي باء السببية أو الاستعانة، ولكنَّها هنا للدلالة على «التعلق والتأثير»؛ أي أن إيقاع الفعل وإحداثه إنما يقع بهذه الصفة، وليست الذات مجردةً عنها.
كلمة (ذي): في اللغة اسم إشارة للمفردة المؤنثة (مثل: ذِي، ذِهْ، تِي، تِيكَ، هَذِهِ). وقد أُشير بها هنا إلى «الصفات»؛ لأن جمع التكسير لغير العاقل يُعامل معاملة المفردة المؤنثة. وعليه؛ فمعنى قوله «بذي الصفات» أي: «بهذه الصفات».

ثانياً: تدور هذه العبارة حول الإجابة عن سؤال: لمن يُنسب الفعل كالإيجاد، والتخصيص، والانكشاف على وجه الحقيقة؟ وللعلماء في هذا المقام ثلاثة مسالك:

المسلك الأول: للمعتزلة، وهو إسناد الفعل للذات، فيقولون: «الله يخلق بذاته، لا بقدرةٍ زائدةٍ على الذات»، وهذا لإنكارهم قيام صفات المعاني كالقدرة والإرادة بذات الله تعالى، وهذا المسلك أفضى بهم إلى التعطيل؛ إذ لو كان الإثبات والإيجاد بالذات مجردةً، لانتفت الحاجة إلى إثبات صفة القدرة، وهذا باطل.

المسلك الثاني: التجوُّز والمسامحة بإسناد الفعل للصفة، ولذا قد يَرِد في عبارات بعض المتكلمين قولهم: «القدرة تُوجِد وتُعْدِم»، و«الإرادة تُخَصِّص»، و«العلم يَنْكَشِف به». وهذا الإسناد يُسمى في عرف العلماء «مجازاً عقلياً»؛ لأن الصفة في ذاتها لا تفعل، وإنما الفاعل هو الموصوف بها.

المسلك الثالث: وهو مسلك أهل التحقيق من السادة الأشاعرة، وهو الذي نص عليه الإمام ابن زكري بقوله: «الفعل للذات بذي الصفات». ومفاده تقرير أمرين متلازمين:

الأول: أن الفاعل والمؤثر والمُخَصِّص على الحقيقة هو الذات العلية؛ فالله جل جلاله هو الذي يُثبت، ويُعدِم، ويُخَصِّص، ويَعْلَم.

الثاني: أن هذا الفعل الصادر عن الذات لا يقع بالذات مجردة كما تقول المعتزلة، بل يقع بالصفات؛ فالله يُوجِد بقدرته، ويُخَصِّص بإرادته، ويعلم بعلمه.

وبهذا المسلك يخرج المتكلم من هاوية التعطيل الذي وقعت فيه المعتزلة بنفي الصفات، ويخرج كذلك من دائرة «المجاز والمسامحة» التي قد توهم أن الصفة تستقل بالفعل دون الذات. والله تبارك وتعالى أعلم.
كتبه: د. سيف بن علي العصري
4 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 17 أغسطس 2026 م

عرض الفتوى في المصدر الرسمي